كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٠٩ - غزوة الخندق
وضع جميع أعمال أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في كفّة الميزان منذ بعث اللّه محمّدا إلى يوم القيامة و وضع عمل علي في الكفّة الاخرى لرجح عمل عليّ على جميع أعمالهم. فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له و لا يقعد. فقال حذيفة: يا لكع (١) و كيف لا يحمل و أين كان ابو بكر و عمر و حذيفة و جميع أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم عمرو بن عبد ود و قد دعا إلى المبارزة؟ فأحجم الناس (٢) كلّهم ما خلا عليّا (عليه السلام) فإنّه برز إليه فقتله اللّه على يده، و الذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى يوم القيامة و أنشد الأبيات و فيها بعد (اليوم يمنعني الفرار حفيظتي):
أرديت عمرا إذ طغى بمهنّد * * * صافي الحديد مجرّب قضّاب (٣)
و لمّا قتل عمروا أقبل نحو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و وجهه يتهلّل فقال له عمر بن الخطّاب: هلّا سلبته يا علي درعه، فما لأحد درع مثلها؟ فقال: إنّي استحييت أن أكشف عن سوءة ابن عمّي.
و روي أنّه لمّا قتل عمروا احتزّ رأسه و ألقاه بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقام أبو بكر و عمر فقبّلا رأس علي (عليه السلام) و قال أبو بكر بن عيّاش: لقد ضرب عليّ ضربة ما كان في الإسلام ضربة أعزّ منها، يعني ضربة عليّ لعمرو بن عبد ود، و لقد ضرب عليّ ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها، يعني ضربة ابن ملجم لعنه اللّه.
و رأيت في بعض الكتب و لم يحضرني الكتاب عند جمعي هذا أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال حين بارز علي عمرو بن عبد ود: خرج الإسلام كلّه إلى الشرك كلّه، و في هذه الغزاة نزل قوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ (٤) الآيات إلى آخرها، و لم يخلص من العتب إلّا علي (عليه السلام)، و لمّا قتل هؤلاء النفر، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الآن نغزوهم و لا يغزوننا.
و روي أنّ عبد اللّه بن مسعود كان يقرأ: وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بعليّ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٥).
و في قتل عمرو يقول حسّان:
(١) اللكع: اللئيم و العبد الأحمق.
(٢) أحجم فلان عن الشيء: كفّ أو نكص هيبة.
(٣) المهنّد: السيف المطبوع من حديد الهند. و القضاب بمعنى القطاع.
(٤) الأحزاب: ١٠.
(٥) الأحزاب: ٢٥.