كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٠٦ - غزوة الخندق
أردى رئيسهم و آب بتسعة * * * طورا يشلّهم و طورا يدفع (١)
فصل: و كانت غزاة الأحزاب بعد غزاة بني النضير، و هي غزاة الخندق، و ذلك أنّ جماعة من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري و حيّ بن أخطب و غير هما و نفر من بني والية خرجوا حتّى قدموا مكّة و صاروا إلى أبي سفيان لعلمهم بعداوته للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تسرّعه إلى قتاله، فذكروا له ما نالهم منه و سألوه المعونة على قتاله، فقال: أنالكم حيث تحبّون، فاخرجوا إلى قريش فادعوهم إلى حربه و اضمنوا لهم النصرة و الثبوت معهم حتّى تستأصلوه، فطافوا على وجوه قريش و دعوهم إلى حرب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقالوا: أيدينا مع أيديكم و نحن معكم حتّى نستأصله، فقالت قريش: يا معشر اليهود، أنتم أهل الكتاب الأوّل، و العلم السابق، و قد عرفتم ما جاء به محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ما نحن عليه من الدين، فديننا خير أم دينه؟ فقالوا: بل دينكم و أنتم أولى بالحقّ منه، فنشطت قريش إلى حربه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قال لهم أبو سفيان: قد مكّنكم اللّه من عدوّكم و اليهود تقاتله معكم، و لا تفارقكم حتّى تستأصلوه و من أتبعه، فقويت نفوسهم و عزائمهم على الحرب، ثمّ جاء اليهود غطفان و قيس غيلان فدعوهم إلى حرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ضمنوا لهم النصر و المعونة، و أخبروهم بموافقة قريش لهم على ذلك، و اجتمعوا و خرجت قريش و قائدها أبو سفيان، و خرجت غطفان و قائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، و الحارث بن عوف في بني مرّة، و وبرة بن طريف في قومه من أشجع.
فلمّا سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) باجتماع الأحزاب على قصد المدينة استشار أصحابه فأجمعوا على المقام بالمدينة و حربهم على أنقابها (٢)، و أشار سلمان الفارسي بحفر الخندق فحفره و عمل فيه بنفسه، و عمل المسلمون، و أقبلت الأحزاب بجموعهم، فهالت المسلمون و ارتاعوا من كثرتهم، و نزلوا ناحية من الخندق و أقاموا مكانهم بضعا و عشرين ليلة، و لم يكن بينهم حرب إلّا الرمي بالنبل و الحصاة.
فلمّا رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ضعف قلوب أكثر المسلمين من حصارهم و وهنهم في حربهم، بعث إلى عيينة بن حصن و الحارث بن عوف قائدي غطفان يدعوهم إلى
(١) أرداه: أهلكه. و آب: رجع. و الشل و الشلل: الطرد.
(٢) النقب: الطريق في الجبل.