كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٧٢ - الثامن في ذكر شيء من كلامه
و شيعته (١)، فترحّم على مسلم، و قال: صار إلى روح اللّه و رضوانه-: أمّا إنّه قضى ما عليه و بقي ما علينا، و أنشده:
و إن تكن الدنيا تعدّ نفيسة * * * فدار ثواب اللّه أعلى و أنبل
و إن تكن الأبدان للموت أنشئت * * * فقتل امرئ و اللّه بالسيف أفضل
و إن تكن الأرزاق قسما مقدّرا * * * فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل
و إن تكن الأموال للترك جمعها * * * فما بال متروك به المرء يبخل
(هذا آخر كلام كمال الدين بن طلحة رحمه اللّه في هذا الفصل).
أقول: إنّهم (عليهم السلام) رجال الفصاحة و فرسانها، و حماة البلاغة و شجعانها، عليهم تهدّلت أغصانها، و منهم تشعّبت أفنانها، و لهم انقادت معانيها و هم معانها، و لرياضتهم أطاع عاصيها و أصحب جرانها، إذا قالوا بذو الفصحاء، و إذا ارتجلوا سبقوا البلغاء، و إذا نطقوا أذعن كلّ قائل و أقرّ لهم كلّ حاف و ناعل:
تركت و الحسن تأخذه * * * تنتقي منه و تنتخب
فاصطفت منه محاسنه * * * و استزادت فضل ما تهب
بألفاظ تجاري الهواء رقّة، و الصخر متانة، و حلم يوازي السماء ارتفاعا، و الجبال رزانة، أذعنت لهم الحكم، و أجابت نداءهم الكلم، و أطاعهم السيف و القلم، و صابوا و أصابوا فما صوب الديم (٢) ورثوا البيان كابرا عن كابر، و تسنّموا قلل الفضائل تسنّمهم متون المنابر، و تساووا في مضمار المعارف فالآخر يأخذ عن الأوّل و الأوّل يملي على الآخر.
شرف تتابع كابرا عن كابر * * * كالرمح أنبوبا على أنبوب (٣)
يفوح أرج النبوّة من كلامهم، و يعبق نشر الرسالة من نثرهم و نظامهم، و تعجز الأوائل و الأواخر عن مقالهم، في كلّ موطن و مقامهم، فهم سادات الناس و قادتهم في
(١) و الذي يظهر من رواية المفيد رحمه اللّه و غيره من أرباب السير أنّ التقائه (عليه السلام) الفرزدق إنّما هو قبل مجيء نعى مسلم بن عقيل بل و قبل قتله في الكوفة، لأنّ الالتقاء وقع قبل العرفة خارج المكة بعد ما دخل الفرزدق في الحرم و قد قتل مسلم بن عقيل يوم الأربعاء لتسع خلون من ذي الحجة يوم عرفة و أتاه (عليه السلام) خبر قتله بالثعلبية بعد ما قضى الناس حجّهم بأيّام.
(٢) الديم: مطر يدوم في سكون بلا رعد و لا برق.
(٣) الأنبوب: ما بين الكعبين من القصب و الرمح.