كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٨١ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
و أخذ أموالنا، و لو لا الطاعة لكان فينا عزّ و منعة، فإن عزلته عنّا شكرناك و إلّا كفرناك، فقال معاوية: إيّاي تهدّدين بقومك يا سودة، لقد هممت أن أحملك على قتب أشوس (١) فأردّك إليه فينفّذ فيك حكمه، فأطرقت سودة ساعة ثمّ قالت:
صلّى الإله على روح تضمّنها * * * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغى به بدلا * * * فصار بالحق و الإيمان مقرونا
فقال معاوية: من هذا يا سودة؟ قالت: و اللّه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و اللّه لقد جئته في رجل كان قد ولّاه صدقاتنا فجار علينا فصادفته قائما يصلّي، فلمّا رآني انفتل من صلاته (٢) ثمّ أقبل عليّ برحمة و رفق و رأفة و تعطّف و قال:
أ لك حاجة؟ قلت: نعم. فأخبرته الخبر فبكى ثمّ قال: اللهمّ أنت الشاهد عليّ و عليهم، و إنّي لم آمرهم بظلم خلقك، و لا بترك حقّك، ثمّ أخرج قطعة جلد فكتب فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٣) فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتّى يقدم عليك من يقبضه منك و السلام. ثمّ دفع الرقعة إليّ، فو اللّه ما ختمها بطين و لا خذمها (٤)، فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنّا معزولا. فقال معاوية: اكتبوا لها كما تريد و اصرفوها إلى بلدها غير شاكية.
و كم له (عليه السلام) من الآثار و الأخبار و المناقب التي لا تستر أو يستر وجه النهار و السيرة التي هي عنوان السير و المفاخر التي يتعلّم منها من فخر، و المآثر التي تعجز من بقي كما أعجزت من غبر (٥).
و خرج (عليه السلام) يوما و عليه إزار مرقوع فعوتب عليه فقال: يخشع القلب بلبسه و يقتدي بي المؤمن إذا رآه عليّ.
و اشترى (عليه السلام) يوما ثوبين غليظين فخيّر قنبرا فيهما، فأخذ واحدا فلبس هو
(١) القتب- محركة-: الرحل. الأشوس: الطويل.
(٢) أي انصرف عنها.
(٣) الأعراف: ٨٥.
(٤) خذم الشيء: قطعه.
(٥) غبر: ذهب و مقى.