كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٨٢ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
الآخر، و رأى في كمّه طولا عن أصابعه فقطعه.
و خرج يوما إلى السوق و معه سيفه ليبيعه فقال: من يشتري منّي هذا السيف فو الذي فلق الحبّة لطال ما كشفت به الكرب عن وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لو كان عندي ثمن إزار لما بعته.
و كان (عليه السلام) قد ولّى على عكبرا (١) رجلا من ثقيف قال: قال لي علي (عليه السلام): إذا صلّيت الظهر غدا فعد إليّ، فعدت إليه في الوقت المعيّن فلم أجد عنده حاجبا يحبسني دونه، فوجدته جالسا و عنده قدح و كوز ماء، فدعا بوعاء مشدود مختوم، فقلت في نفسي: قد أمنني حتّى يخرج إلي جوهرا، فكسر الختم و حلّه، فإذا فيه سويق فأخرج منه فصبّه في القدح و صبّ عليه ماء فشرب و سقاني، فلم أصبر فقلت له: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا في العراق و طعامه كما ترى في كثرته؟ فقال: أما و اللّه ما أختم عليه بخلا به، و لكنّي أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن ينقص فيوضع فيه من غيره، و أنا أكره أن أدخل بطني إلّا طيبا فلذلك أحترز عليه كما ترى، فإيّاك و تناول ما لا تعلم حلّه.
و من ذلك:
ما حكاه عنه مجاهد قال: قال لي علي: جعت يوما بالمدينة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة (٢) فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظننتها تريد بله فأتيتها فقاطعتها عليه كلّ ذنوب (٣) على تمرة، فمددت ستّة عشر ذنوبا حتّى مجلت يداي (٤) ثمّ أتيت الماء فأصبت منه ثمّ أتيتها فقلت: بكفي هكذا بين يديها و بسط الراوي كفّيه و جمعها فعدت لي ستّة عشرة تمرة، فأتيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبرته فأكل معي منها.
و من ذلك: أنّه أتي بزقاق (٥) فيها عسل من اليمن، و نزل بالحسن (عليه السلام) ضيف، فاشترى خبزا و طلب من قنبر أدما ففتح زقا و أعطاه منه رطلا، فلمّا قعد (عليه السلام) ليقسمها قال: يا قنبر قد حدث في هذا الزق حدث؟ قال: صدقت يا أمير المؤمنين و أخبره،
(١) قال ياقوت: عكبرا اسم بليدة من نواحيى دجيل قرب صريفين، بينها و بين بغداد عشرة فراسخ و النسبة إليها عكبرى.
(٢) العوالي: قرى بظاهر المدينة بينها و بين المدينة أربعة أميال و قيل ثلاثة.
(٣) الذنوب: الدلو المليء ماء.
(٤) مجلت يده تمجّل مجلا: إذا تنفطت من العمل، و مجلت بالكسر مجلا و أمجل العمل يده.
(٥) الزقاق جمع الزق- بالكسر-: جلد يجز و لا ينتف للشراب و غيره.