كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٦٦ - السادس في علمه و شجاعته و شرف نفسه
اللّه فما ذكروا، و زجرهم عن تقحّم نار الجحيم فما انزجروا، و عرّفهم ما كانوا يدعون معرفته فما عرفوا و لا فهموا منذ أنكروا، و أمرهم بالفكر في هذا الأمر الصعب فما ائتمروا، في كلّ ذلك ليقيم عليهم الحجّة، و يعذر إلى اللّه في تعريفهم المحجّة، فأصرّوا و استكبروا استكبارا، و ممّا خطاياهم فأدخلوا نار جهنّم فلم يجدوا لهم من دون اللّه أنصارا، و نادى لسان حال الحسين (عليه السلام): رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً، فاستجاب اللّه دعاءه (عليه السلام) و خصّه بمزيد العناية و الإكرام، و نقله إلى جواره مع آبائه الكرام، و وقع الفناء بعده في أولئك الطغام، و دارت عليهم دوائر الانتقام و الاصطلام، فقتلوا في كلّ أرض بكلّ حسام، و انتقلوا إلى جوار مالك في نار جهنّم، و أصحاب الحسين (عليه السلام) إلى جوار رضوان في دار السلام، فصارت ألوف هؤلاء الأغنام آحادا، و جموعهم أفرادا، و ألبسوا العار آباء و أولادا، فأحياؤهم عار على الغابر، و الأوّلون مسبّة للآخر، و استولى عليهم الذلّ و الصغار، و خسروا تلك الدار و هذه الدار، و كان عاقبة أمرهم إلى النّار و بئس القرار، و كثّر اللّه ذريّة الحسين (عليه السلام) و أنماها، و ملأ بها الدنيا و رفعها و أعلاها، و إذا عرفت أنّ كلّ حسينيّ في الدّنيا من ولد علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) ظهر لك كيف بارك اللّه في ذريّته الطاهرة و زكّاها، و إذ فكّرت في جموع أعدائهم و انقراضهم تبيّنت أنّ العناية الإلهيّة تولّت هذه العترة الشريفة و أبادت من عاداها، و سعدت في الدنيا و الآخرة و سعد من والاها، و قد تظاهرت الأخبار أنّ اللّه تعالى اختارها و اصطفاها، و اختار شيعتها و اجتباها.
و لمّا رأى الحسين (عليه السلام) إصرارهم على باطلهم، و ظهور علائم الشقاء على أخلاقهم و فعائلهم، و أنّ إبليس و جنوده قادوا في أشطانهم (١) و حبائلهم، علم بسعادة من قتلوه و شقاوة قاتلهم، و تحقّق أنّه قد طبع اللّه على قلوبهم فلا ينجع فيهم نصح ناصحهم، و لا عذل عاذلهم، فجدّ في حربهم على بصيرة و اجتهد، و صبر صبر الكرام على تلك العدّة و ذلك العدد، و تفصيل ذلك يأتي في باب مصرعه (عليه السلام).
و يعزّ عليّ أن يجري بذكره لساني، أو يسمح بسطره بناني، أو أتمثّله في خاطري و جناني، فإنّي أجد لذكره ألما، و أبكي لمصابه دمعا و دما، و أستشعر لما بلغ
(١) الأشطان جمع الشطن: الحبل الطويل.