كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٤٥ - في ذكر تزويجه
قال: فتغرغرت عينا علي (عليه السلام) بالدموع (١) و قال: يا أبا بكر لقد هيّجت منّي ساكنا و أيقظتني لأمر كنت عنه غافلا، و اللّه إنّ فاطمة لموضع رغبة و ما مثلي قعد عن مثلها غير أنّه يمنعني من ذلك قلّة ذات اليد، فقال أبو بكر: لا تقل هذا يا أبا الحسن فإنّ الدنيا و ما فيها عند اللّه تعالى و عند رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كهباء منثور.
قال: ثمّ إنّ علي بن أبي طالب (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حلّ عن ناضحه (٢) و أقبل يقوده إلى منزله فشدّه فيه و لبس نعله، و أقبل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في منزل زوجته أم سلمة ابنة أبي أميّة بن المغيرة المخزومي، فدقّ عليّ (عليه السلام) الباب، فقالت أم سلمة: من في الباب؟ فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قبل أن يقول علي: أنا علي، قومي يا أم سلمة فافتحي له الباب و مريه بالدخول، فهذا رجل يحبّه اللّه و رسوله و يحبّهما، فقالت أم سلمة: فداك أبي و أمّي و من هذا الذي تذكر فيه هذا و أنت لم تره؟ فقال: مه يا أم سلمة فهذا رجل ليس بالخرق و لا بالنزق (٣)، هذا أخي و ابن عمّي و أحبّ الخلق إليّ، قالت أم سلمة: فقمت مبادرة أكاد أن أعثر بمرطي (٤) ففتحت الباب فإذا أنا بعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، و و اللّه ما دخل حين فتحت حتّى علم أنّي قد رجعت إلى خدري.
ثمّ إنّه دخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): و عليك السلام يا أبا الحسن، اجلس. قالت أم سلمة:
فجلس علي بن أبي طالب بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و جعل ينظر إلى الأرض كأنّه قصد لحاجة و هو يستحي أن يبديها، فهو مطرق إلى الأرض حياء من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقالت أم سلمة: فكأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علم ما في نفس علي (عليه السلام) فقال له: يا أبا الحسن إنّي أرى أنّك أتيت لحاجة؟ فقل ما حاجتك، و أبد ما في نفسك، فكلّ حاجة لك عندي مقضيّة.
(١) تغرغرت عينه بالدمع: تردد فيها الدمع و أصله من تغرغر فلان بالماء و الدواء إذا رددهما في حلقه فلا يمجهما و لا يسيغهما.
(٢) الناضح: البعير يستقى عليه.
(٣) خرق- بكسر الراء- خرقا فهو خرق: ككتف- دهش، و خرق الرجل في البيت: أقام فلم يبرح و لازق بالأرض. و النزق: خفة في كلّ أمر و عجلة في جهل و حمق فلعلّ المعنى- و اللّه أعلم-: هذا رجل ليس متكاسلا مبطئا في الأمور كمن لزق بالأرض و تحير، و لا بعجول و وارد فيه من غير بصيرة.
(٤) المرط: كساء من صوف أو خز أو كتان يؤتزر به و ربما تلقيه المرأة على رأسها و تتلفع به.