كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٥٩ - السادس في علمه و شجاعته و شرف نفسه
ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيّ و في أخي، فإن كنتم تشكّون في هذا فتشكّون (فيّ) أنّي ابنة بنت نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ فو اللّه ما تعمّدت كذبا منذ عرفت إنّ اللّه تعالى يمقت على الكذب و أهله، و يضربه من اختلقه، فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبي غيري منكم و لا من غيركم، ثمّ أنا ابن بنت نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خاصة دون غيره، خبّروني هل تطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو بمال استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ فسكتوا.
قال أفقر عباد اللّه إلى رحمته و شفاعة نبيّه و أئمّته (عليهم السلام) علي بن عيسى أغاثه اللّه تعالى يوم الفزع الأكبر: كأنّ الحسين (عليه السلام) فارس الحرب الذي لا يصطلي بناره، و لا تقدم غلب الأسود على شقّ غباره، و لم يقل هذا القول ضراعة و لا خوارا (١)، فإنّه كان عالما بما يئول أمره إليه، عارفا بما هو قادم عليه عرف ذلك من أبيه و جدّه عليهم الصلاة و السلام، و اطلع على حقيقته بما خصّه اللّه به من بين الأنام، فله الكشف و النظر، و هو و أخوه قبله و بنوه من بعده خيرة اللّه من البشر، ينظرون إلى الغيب من وراء ستر رقيق، و يشاهدون بمرايا خواطرهم الصقيلة و يشهدون بعداوة العدو و صداقة الصديق، و إنّما كان ذلك القول منه و تكراره إقامة للحجة عليهم، و دفعا في صدر من ربّما قال لم أعلم أو كنت مشدوها (٢) أو اشتبه عليّ الأمر فلم أهتد لوجه الصواب، فنفي هذه الاحتمالات بإنذاره و إعذاره، و تركهم و لا حاجز بينهم و بين عذاب اللّه و ناره، و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا.
السادس: في علمه و شجاعته و شرف نفسه
أقول و اللّه الموفق للصواب: إنّ علوم أهل بيت (عليهم السلام) لا تتوقّف على التكرار و الدرس، و لا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس، و لا يعلمونها بالقياس و الفكر و الحدس، لأنّهم المخاطبون في أسرارهم المكلّمون بما يسألونه قبل ارتداد النفس، فسماء معارفهم و علومهم بعيدة عن الإدراك و اللمس، فمن أراد ستر فضائلهم كان كمن أراد ستر وجه الشمس، و هذا ممّا يجب أن يكون ثابتا مقرّرا في النفس، فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة، و يقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة،
(١) الخوار: الضعف و الفتور.
(٢) المشدوه: المتحيّر المدهوش.