كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٠٧ - ذكر إمامته و بيعته
محتملا على امرئ مسلم ضغينة و لا مريدا له بسوء و لا غائلة (١)، و إنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة، و إنّي ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري و لا تردوا على رأيي، غفر اللّه لي و لكم، و أرشدني و إيّاكم لما فيه المحبّة و الرضا.
قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض و قالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنّ أنّه يريد أن يصالح معاوية، و يسلّم الأمر إليه، فقالوا: كفر و اللّه الرجل و شدّوا على فسطاطه، فانتهبوه حتّى أخذوا مصلّاه من تحته، ثمّ شدّ عليه رجل يقال له عبد الرحمن ابن عبد اللّه بن جعال الأزدي فنزع مطرفه (٢) عن عاتقه فبقي جالسا متقلّدا السيف بغير رداه، ثمّ دعا بفرسه فركبه و أحدق به طوائف من خاصّته و شيعته، و منعوا منه من أراده، و دعا ربيعة و همدان فأطافوا به و منعوه، فسار و معه شوب من غيرهم.
فلمّا مرّ في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد اسمه الجراح بن سنان و أخذ بلجام فرسه و بيده مغول (٣) و قال: اللّه أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، و طعنه في فخذه فشقّه حتّى بلغ العظم، فاعتنقه الحسن (عليه السلام) و خرّا جميعا إلى الأرض، فأكبّ عليه رجل من شيعة الحسن (عليه السلام) فقتله بمغوله و قتل معه شخص آخر كان معه، و حمل الحسن (عليه السلام) على سرير إلى المدائن فأنزل به على سعد بن مسعود الثقفي، و كان عامل علي (عليه السلام) بها، فأقرّه الحسن (عليه السلام) على ذلك و اشتغل بمعالجة جرحه.
و كتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة سرّا و استحثّوه على سرعة المسير نحوهم، و ضمنوا له تسليم الحسن (عليه السلام) إليه عند دنوّهم من عسكره، أو الفتك به، و بلغ الحسن (عليه السلام) ذلك.
و ورد عليه كتاب قيس بن سعد رضي اللّه عنه، و كان قد أنفذه مع عبيد اللّه بن العباس في مسيره من الكوفة ليلقى معاوية فيردّه عن العراق، و جعله أميرا على الجماعة، و قال:
إن أصيب فالأمير قيس بن سعد، يخبره أنّهم نازلوا معاوية بإزاء مسكن و أنّ معاوية أرسل إلى عبيد اللّه بن العباس يرغّبه في المسير إليه، و ضمن له ألف ألف درهم يعجّل
(١) الضغينة: الحقد. و الغائلة: الحقد الباطن. الشر.
(٢) المطرف- بضم الميم و فتحها-: رداء من خزّ و أعلام.
(٣) المغول: سوط في جوفه سيف دقيق سمّي بذلك لأنّ صاحبه يغتال به عدوّه من حيث لا يحتسبه.