كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٠٨ - ذكر إمامته و بيعته
له منها النصف و يعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسلّ عبيد اللّه ليلا إلى معسكر معاوية و معه خاصّته و أصبح الناس بغير أمير، فصلّى بهم قيس رضي اللّه عنه و نظر في أمورهم، فازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بخذلانهم له و فساد نيّات المحكمة فيه و ما أظهروه له من سبّه و تكفيره و استحلال دمه و نهب أمواله، و لم يبق معه من يأمن غوائله إلّا خاصّه من شيعته و شيعة أبيه (عليهما السلام)، و هم جماعة لا يقومون بحرب أهل الشام.
فكتب إلى معاوية في الهدنة و الصلح، فأنفذ إليه كتب أصحابه التي ضمنوا فيها الفتك به و تسليمه إليه، و اشترط في إجابته إلى الصلح شروطا كثيرة، و عقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن (عليه السلام) و علم احتياله و اغتياله، غير أنّه لم يجد بدّا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب و إنفاذ الهدنة لما كان من ضعف بصائر أصحابه في حقّه و الفساد عليه و مخالفته، و استحلال كثير منهم دمه و تسليمه إلى خصمه، و خذلان ابن عمّه له (١) و مصيره إلى عدوّه، و ميلهم جميعا إلى الدنيا و عاجلها.
فتوثّق لنفسه (عليه السلام) من معاوية تأكيدا للحجّة عليه، و الإعذار فيما بينه و بينه عند اللّه تعالى، و عند كافة المسلمين، و اشترط عليه ترك سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، و العدول عن القنوت عليه في الصلاة، و أن يؤمّن شيعته رضي اللّه عنهم و لا يتعرّض لأحد مهم بسوء، و يوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، فأجابه معاوية إلى ذلك جميعه و عاهده عليه و حلف له بالوفاء.
فلمّا استتمّت الهدنة سار معاوية حتّى نزل بالنخيلة و كان يوم جمعة، فصلّى بالناس ضحى النهار و خطبهم فقال في خطبته: إنّي و اللّه ما أقاتلكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، و لكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون، ألا و إنّي كنت منيت الحسن و أعطيته أشياء و جميعها تحت قدميّ لا أفي له بشيء منها.
ثمّ سار و نزل الكوفة فأقام بها أيّاما، فلمّا استتمّت بيعته صعد المنبر فخطب الناس و ذكر أمير المؤمنين و الحسن (عليهما السلام) فنال منهما، و كان الحسين (عليه السلام) حاضرا، فأراد أن يقوم و يجيبه فأخذ الحسن بيده و أجلسه و قام و قال: أيّها الذاكر عليّا أنا الحسن و أبي علي، و أنت معاوية و أبوك صخر، و أمّي فاطمة و أمّك هند، و جدّي رسول اللّه و جدّك
(١) يعني عبيد اللّه بن عباس.