كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٠٦ - ذكر إمامته و بيعته
الهجرة، فرتّب العمّال و أمّر الامراء، و أنفذ عبد اللّه بن العباس إلى البصرة و نظر في الامور، و لمّا بلغ معاوية موت أمير المؤمنين علي عليه الصلاة و السلام و بيعة الحسن (عليه السلام) أنفذ رجلا من حمير إلى الكوفة و آخر من بني القين إلى البصرة ليطالعاه بالأخبار، و يفسدا على الحسن (عليه السلام) الامور و قلوب الناس، فعرف بهما و حصلهما و أمر بقتلهما، و كتب إلى معاوية: أمّا بعد، فإنّك دسست الرجال للاحتيال و الاغتيال، و أرصدت العيون كأنّك تحبّ اللقاء، و ما أوشك ذلك فتوقّعه إن شاء اللّه. و بلغني أنّك شمت بما لم يشمت به ذووا الحجى (١)، و إنّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل:
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * * * تجهّز لاخرى مثلها فكأن قد (٢)
فإنّا و من قد مات منّا لكالّذي * * * يروح فيمسي في المبيت ليغتدى
و كان بينه و بين الحسن (عليه السلام) مكاتبات، و احتجّ عليه الحسن (عليه السلام) في استحقاقه الأمر و توثّب من تقدّم على أبيه (عليه السلام) (٣) و ابتزازه سلطان ابن عمّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (٤) و صار معاوية نحو العراق، و تحرّك الحسن (عليه السلام)، و بعث حجر بن عدي و استنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثمّ خفّوا و معه أخلاط من الناس، بعضهم من شيعته و شيعة أبيه (عليهما السلام) و بعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكلّ حيلة (٥)، و بعضهم أصحاب طمع في الغنائم، و بعضهم شكّاك، و بعضهم أصحاب عصبية اتّبعوا رؤساء قبائلهم، لا يرجعون إلى دين، ثمّ صار حتّى نزل ساباط دون القنطرة و بات هناك.
فلمّا أصبح أراد (عليه السلام) أن يمتحن أصحابه و يستبرئ أحوالهم في طاعته، ليميز أولياءه من أعدائه و يكون على بصيرة من لقاء معاوية، فأمر أن ينادى في الناس بالصلاة جامعة فاجتمعوا، فصعد المنبر فخطبهم فقال:
الحمد للّه كلّما حمده حامد، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه كلّما شهد له شاهد، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، أرسله بالحق و ائتمنه على الوحي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أمّا بعد، فو اللّه إنّي لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّه و منّه و أنا أنصح خلق اللّه لخلقه، و ما أصبحت
(١) شمت: فرح بيلية. و المعنى فرحت بموت علي الذي أصبح كلّ ذي لبّ مغموما بموته.
(٢) أي فكأن قد نزلت أو جاءت و حذف مدخول قد و ذلك شايع.
(٣) توثب عليه استولى ظلما.
(٤) ابتزّ منه الشيء: استلبه قهرا.
(٥) و هم الخوارج أي لم يهمّوا على نصر الحسن و إنّما كان همّهم قتال معاوية.