كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٠ - مقدمة الكتاب
نقلة الأخبار و الأشعار، و تدوين الكتب الطويلة في ذلك، بل معرفة أجلاف العرب ممّن قال بيتا أو أرسل مثلا، بل معرفة المغنّين و المغنّيات، و معرفة الأبعاد و نسبة الأصوات، بل معرفة المخانيث و المجانين و القصاص و المعلمين و غير ذلك، ممّا لو عدّد لطال ممّا لا يوجب أجرا و لا يخلد ذكرا، و يرغبون عن قوم جدّهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أبو هم الوصي و أمّهم فاطمة و جدّتهم خديجة، و أخوالهم الطيب و الطاهر و القاسم، و عمّهم جعفر ذو الجناحين، و قد شهد القرآن بطهارتهم، و حثّ الرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على حبّهم و مودّتهم، و قد رأيت أنا في زماني من قضاتهم و مدرّسيهم من لا يرى زيارة موسى بن جعفر (عليهما السلام)، و كانوا إذا زرناه قعدوا ظاهر السور ينتظروننا و يعودوا معنا، هذا مع زيارتهم قبور الفقراء و الصوفيّة، و ميلهم إلى البله و المختلّين الذين لا يهتدون إلى قول و لا يصلّون و لا يتجنّبون النجاسات، لكونهم على عقائدهم و من المعدودين منهم، و متى نسب أحدهم إلى محبّة أهل البيت (عليهم السلام) أنكر و اعتذر، و إذا رأى كتابا يتضمّن أخبار هم و فضائلهم عدّه من الهذر، و مزّقه شذر مذر (١)، نعوذ باللّه من الأهواء الفاسدة و العقائد المدخولة، و تجنّبت فيما أثبته الإكثار، و اعتمدت الإيجاز و الاختصار، و لو أردت الإطالة وجدت السبيل إليها لا حبا، و انثالت عليّ مفاخرهم، فقمت بها خاطبا، فإنّها أغزر من قطر المطر، و أكثر من عدد النجم و الشجر، و من أين يقدر المتصدي لجمعها على الإحاطة بأقطارها، و الخوض كما يجب في غمارها، و هل ذلك إلّا طلب متعذّر و محاولة مستحيل؟!
و ليس يصحّ في الإفهام شيء * * * إذا احتاج النهار إلى دليل
و لكنّي اكتفيت بقليل من كثير، و يسير من غزير، و قطرة من سحاب، و نقطة من عباب، و حقّ لكلّ قائل أن يسمّي نفسه مختصرا و إن أطال، و مقرّا بالعي و إن بسط القول و قال، و حذفت الأسانيد و اكتفيت بذكر من يرويها من الأعيان تفاديا من طول الكتاب، يحدّثنا فلان عن فلان، فإن وردت كلمة لغوية أو معنى يحتاج إلى بيان بيّنته بأخصر ما يمكن، فإنّ هذا ليس بكتاب جدل، فأذكر فيه الخلاف و الوفاق، و أحمل كلّ معنى من الشرح و الإيضاح ما أطاق، و لكنّي اشير إلى ذلك إشارة تليق بغرض هذا الكتاب، و قصدت به التقرّب إلى اللّه سبحانه و تعالى، و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الطاهر، و ابتغاء للأجر
(١) الهذر- محرّكة-: الهذيان. و يقال: تفرّقوا شذر مذر: أي ذهبوا في كلّ وجه.