كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٧٦ - فصل في ذكر كراماته و ما جرى على لسانه من إخباره بالمغيّبات
عطشانا. فقال أمير المؤمنين: اسمعوا ما يقول الراهب، فقالوا: تأمرنا أن نسير إلى حيث أومأ إلينا لعلّنا ندرك الماء و بنا قوّة؟ فقال (عليه السلام): لا حاجة بكم إلى ذلك، و لوى عنق بغلته نحو القبلة و أشار إلى مكان بقرب الدير أن اكشفوه، فكشفوه فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع، فقالوا: يا أمير المؤمنين هنا صخرة لا تعمل فيها المساحي، فقال: هذه الصخرة على الماء فاجتهدوا في قلعها فإن زالت عن موضعها وجدتم الماء، فاجتمع القوم و راموا تحريكها فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا و استصعبت عليهم، فلمّا رأى ذلك لوى رجله عن سرجه و حسر عن ساعده، و وضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحرّكها و قلعها بيده و دحا بها أذرعا كثيرة، فظهر لهم الماء، فبادروه و شربوا فكان أعذب ماء شربوه في سفرهم و أبرده و أصفاه، فقال: تزوّدوا و ارتووا ففعلوا، ثمّ جاء إلى الصخرة فتناولها بيده و وضعها حيث كانت، و أمر أن يعفى أثرها بالتراب، و الراهب ينظر من فوق ديره، فنادى: يا قوم أنزلوني فأنزلوه، فوقف بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا هذا أنت نبيّ مرسل؟ قال: لا، قال: فملك مقرّب؟ قال: لا، قال: فمن أنت؟
قال: أنا وصي رسول اللّه محمّد بن عبد اللّه خاتم النبيّين، قال: أبسط يدك على يدي أسلم على يديك، فبسط أمير المؤمنين يده و قال له: أشهد الشهادتين، فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و أشهد أنّك وصيّ رسول اللّه، و أحقّ الناس بالأمر من بعده، فأخذ عليه شرائط الإسلام و قال له: ما الذي دعاك إلى الإسلام بعد إقامتك على دينك طول المدّة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا الدير بني على طلب قالع هذه الصخرة و مخرج الماء من تحتها، و قد مضى على ذلك عالم قبلي لم يدركوا ذلك فرزقنيه اللّه عزّ و جلّ، إنّا نجد في كتبنا و نأثر على علمائنا أنّ في هذا الموضع عينا عليها صخرة (عظيمة) لا يعرفها إلّا نبي أو وصي نبي، و أنّه لا بدّ من وليّ اللّه يدعو إلى الحقّ، آيته معرفة مكان هذه الصخرة و قدرته على قلعها، و لمّا رأيتك قد فعلت ذلك تحقّق ما كنّا ننتظره، و بلغت الامنية، و أنا اليوم مسلم على يدك و مؤمن بحقّك و مولاك.
فلمّا سمع أمير المؤمنين ذلك بكى حتّى اخضلّت لحيته من الدموع، و قال:
الحمد للّه الذي لم أكن عنده منسيّا، الحمد للّه الذي كنت في كتبه مذكورا، ثمّ دعا الناس فقال: اسمعوا ما يقول أخوكم المسلم، فسمعوا و حمدوا اللّه و شكروه إذ ألهمهم