كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٧٤ - فصل في ذكر كراماته و ما جرى على لسانه من إخباره بالمغيّبات
فإنّ عليّا ذا المناقب و النهى * * * كراماته العليا أقلّ صفاته
(هذا آخر كلام ابن طلحة رحمه اللّه تعالى).
و روي عن جندب بن عبد اللّه الأزدي قال: شهدت مع عليّ الجمل و صفين، و لا أشك في قتالهم حتّى نزلنا النهروان، فدخلني شك و قلت: قرّاءنا و خيارنا نقتلهم، أنّ هذا لأمر عظيم!! فخرجت غدوة أمشي و معي أداوة (١) حتّى برزت عن الصفوف فركزت رمحي و وضعت ترسي إليه و استترت من الشمس، فإنّي لجالس إذ ورد عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أخا الأزد معك طهور؟ قلت: نعم، فناولته الإدواة، فمضى حتّى لم أره، و أقبل و قد تطهّر، فجلس في ظلّ الترس فإذا فارس يسأل عنه، فقلت:
هذا يا أمير المؤمنين فارس يريدك، قال: فأشر إليه، فأشرت إليه فجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عبر القوم و قد قطعوا النهر، فقال: كلّا ما عبروا، قال: بلى و اللّه لقد فعلوا، قال: كلّا ما فعلوا، قال: فإنّه لكذلك إذ جاء آخر، فقال: يا أمير المؤمنين قد عبر القوم، قال: كلّا ما عبروا، قال: و اللّه ما جئت حتّى رأيت الرايات في الجانب و الأثقال، قال: و اللّه ما فعلوا، و إنّه لمصرعهم و مهراق دمائهم، ثمّ نهض و نهضت معه، فقلت في نفسي: الحمد للّه الذي بصّرني هذا الرجل و عرّفني أمره هذا أحد رجلين: إمّا كذّاب جريء أو على بيّنة من أمره، و عهد من نبيّه، اللهمّ إنّي أعطيك عهدا تسألني عنه يوم القيامة إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله و أوّل من يطعن بالرمح في عينه، و إن كانوا لم يعبروا لم آثم على المناجزة و القتال.
فدفعنا إلى الصفوف فوجدنا الرايات و الأثقال بحالها، فأخذ بقفاي و دفعني و قال: يا أخا الأزد، أ تبيّن لك الأمر؟ قلت: أجل يا أمير المؤمنين، قال: فشأنك بعدوّك، فقتلت رجلا ثمّ قتلت آخر ثمّ اختلفت أنا و رجل آخر يضربني و أضربه، فوقعنا جميعا، فاحتملني أصحابي فما أفقت حتّى فرغ من القوم،
و هذا خبر شايع مستفيض قد نقله الجمّ الغفير، و فيه أخبار بالغيب و إبانة عن علم الضمير، و معرفة بما في النفوس، و الآية فيه باهرة لا يعادلها إلّا ما ساواها في معناها من عظيم المعجز و جليل البرهان.
و من ذلك حديث ميثم التمّار و إخباره إيّاه بحاله و صلبه و موضعه، و النخلة التي
(١) الإداوة- بالكسر-: إناء صغير من جلد.