كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٧٣ - فصل في ذكر كراماته و ما جرى على لسانه من إخباره بالمغيّبات
حسناء، ثمّ التفت إلى ابنه الحسن (عليه السلام) فقال: يا أبا محمّد، كم مضى من شهرنا هذا؟
فقال: ثلاثة عشر يا أمير المؤمنين؟ ثمّ سأل الحسين (عليه السلام) فقال: يا أبا عبد اللّه، كم بقي من شهرنا- يعني رمضان- هذا؟ فقال: سبع عشرة يا أمير المؤمنين، فضرب يده إلى لحيته و هي يومئذ بيضاء، فقال: ليخضبنّها بدمها إذا انبعث أشقاها، ثمّ قال:
أريد حياته و يريد قتلي * * * خليلي من عذيري من مرادي (١)
و عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه اللّه يسمع، فوقع في قلبه من ذلك شيء، فجاء حتّى وقف بين يدي علي (عليه السلام)، و قال: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين هذه يميني و شمالي بى يديك فاقطعهما، أو فاقتلني، فقال علي (عليه السلام): و كيف أقتلك و لا ذنب لك؟
و لو أعلم أنّك قاتلي لم أقتلك، و لكن هل كانت لك حاضنة يهوديّة، فقالت لك يوما من الأيّام: يا شقيق عاقر ناقة ثمود؟ قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، فسكت علي (عليه السلام)، فلمّا كانت ليلة ثلاث و عشرين من الشهر (٢) قام ليخرج من داره إلى المسجد لصلاة الصبح و قال: إنّ قلبي يشهد بأنّي مقتول في هذا الشهر، ففتح الباب، فتعلّق الباب بمئزره (٣)، فجعل ينشد:
أشدد حيازيمك للموت * * * فإنّ الموت لاقيك
و لا تجزع من الموت * * * إذا حلّ بناديك (٤)
فخرج فقتل صلوات اللّه عليه.
قال ابن طلحة رحمه اللّه: و هذه من جملة الكرامات المضافة إليه، و لم أصرف الهمة إلى تتبع ما ينسب إليه من كراماته و ما أكرمه اللّه به من خوارق عاداته، لكثرة غيرها من مزاياه و تعدّد مناقب مقاماته.
إذا ما الكرامات اعتلى قدر ربّها * * * و حلّ بها أعلى ذرى عرفاته
(١) و يروى: عذيرك من خليلك من مراد. و الحباء: العطية و عذير فعيل بمعنى فاعل أي هات من يعذرك فيه. و الشعر من الأمثال و يأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء اللّه.
(٢) و هذا يخالف ما هو المشهور بين الشيعة من أنّ هذه الواقعة كانت في ليلة التاسعة و سيأتي الخلاف في ذلك في تاريخ شهادته (عليه السلام).
(٣) المئزر: الإزار.
(٤) الحيازيم جمع الحيزوم: وسط الصدر و ما يضمّ عليه الحزام، و شدّ الحيازيم: كناية عن الصبر. و النادي:
المجلس.