كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٨٣ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
فغضب و قال: عليّ به، فلمّا حضر همّ بضربه فأقسم عليه بعمّه جعفر و كان (عليه السلام) إذا أقسم به عليه سكن، فقال: ما حملك على أن أخذت قبل القسمة؟ قال: إنّ لنا فيه حقّا فإذا أعطيتنا رددناه، قال: لا يجوز أن تنتفع بحقّك قبل انتفاع الناس، لو لا أنّي رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقبّل ثنيتك لأوجعتك ضربا، ثمّ دفع إلى قنبر درهما و قال: اشتر به من أجود عسل يوجد.
قال الراوي: فكأنّي أنظر إلى يد عليّ على فم الزق و قنبر يقلّب العسل فيه، ثمّ شدّه بيده و هو يبكي و يقول: اللهمّ اغفر للحسن، فإنّه لم يعلم.
فأعجب بهذه المكارم و الأفعال و القضايا التي هي غرر في جبهات الأيّام، و الزهادة التي فاق بها جميع الأنام، و الورع الذي حمله على ترك الحلال فضلا عن الحرام، و العبادة التي أوصلته إلى مقام وقف دونه كلّ الأقوام.
مناقب لجت في علوّ كأنّها * * * تحاول نارا عند بعض الكواكب
محاسن من مجد متى يقرنوا بها * * * محاسن أقوام تعد كالمعايب
و لمّا ألزم نفسه الشريفة تحمّل هذه المتاعب و قادها إلى أتباعه فانقادت انقياد الجنايب، و ملكها حتّى صاحب منها أكرم عشير و خير مصاحب، و استشارها ليختبرها فلم تنه إلّا عن منكر و لا أمرت إلّا بواجب، صار له ذلك طبعا و سجيّة، و انضمّ عليه ظاهرا و نيّة، و أعمل فيه عزيمة كهمته قويّة، و استوى في السعي لبلوغ غاياته علانية و طوية، فما تحرّك حركة إلّا بفكر، و في تحصيل أجر و في تخليد ذكر، لا لطلب فخر و إعلاء قدر، بل لامتثال أمر و طاعة في سرّ و جهر، فلذلك شكر اللّه سعيه حين سعى، و عمّه بألطافه العميمة و رعى، و أجاب دعاءه لمّا دعا، و جعل أذنه السميعة الواعية فسمع و وعى، فأسأل اللّه بكرمه أن يحشرني و محبّيه و إيّاه معا.
قال الواحدي في تفسيره يرفعه بسنده إلى ابن عباس قال: إنّ علي بن أبي طالب كان يملك أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلا و بدرهم نهارا، و بدرهم سرّا، و بدرهم علانية، فأنزل اللّه سبحانه فيه: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (١).
أنشدني بعض العلويين لبعض الأصحاب:
(١) البقرة: ٢٧٤.