الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٨٢ - العناصر في القصة القرآنية
القرآن الذي صرّح أن محمدا رسول قد خلت من قبله الرسل و لم يحدث في الكتابين السابقين (التوراة و الإنجيل) أن قصرت قصصها و حكاياتهما و أمثالهما على رسوليهما (موسى بالنسبة للتوراة و عيسى بالنسبة للإنجيل) و نكرّر ما سبق أن ذكرناه أن العاطفة الدينية المشبوبة لدى خلف اللّه هي التي دعته إلى تقديم مثل هذه الأفكار الغالية و من الغريب أن هذا الحماس منه لرسول الإسلام محمد لم يشفع له لدى الذين ثاروا عليه.
و يؤكد المؤلف أن أسلوب القصص القرآني يساير نفسية النبي محمد عليه السلام و ستظهر هذه المسايرة عند ما يتحدث عن القصص القرآني و نفسية الرسول، و الحكم الأدبي هو أن أسلوب القرآن في التعبير عن أفكار الأنبياء و المرسلين أو الأقوام يمشي على وتيرة واحدة أي أنه لا يشاكل الواقع و يقارن بينه و بين أسلوب قصص هذه الأيام الذي يمضي على خلاف ذلك إذ الحوار فيها يمثّل نفسية المتحاورين و طريقتهم في المخاطبة و عقليتهم في التفكير و الحركات الذهنية كما يمثّل حرفهم و صناعاتهم.
بيد أنه يستثني بعض الحالات القليلة التي نجد فيها الحوار يمثّل شخصية المتحاورين و ما تنضوي عليه من قوة و جبروت و عظمة و كبرياء و هي المحاورات التي تجري على لسان إبليس حين يحاور الرسول الذي يواجهه مثل آدم و موسى و لكنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة التي يعتنقها (المؤلف) و هو أن الحوار يمثّل الدعوة الإسلامية و نفسية محمد عليه الصلاة و السلام ثم يأتي إلى عنصر القضاء و القدر و سبق أن ألمع إلى ذلك عند ما شرح كيفية تدخّل عنصر القضاء و القدر لإنقاذ الرسول من القتل و الاضطهاد و كان حريا بخلف اللّه أن يسمي هذا العنصر-في هذه الخصوصية-مشيئة السماء أو إرادة اللّه. و يضرب مثلا آخر لإبراز أهمية هذا العنصر في بعض القصص مثل رؤيا إبراهيم ذبح ابنه ثم فدائه بذبح عظيم. و كذلك قصة يوسف التي وعد بتحليلها في القريب ثم أردفها بالمشيئة الإلهية: (إن شاء اللّه) و مثل هذه العبارة نسمعها في الخطب المنبرية العصماء التي ترتجف لها الأفئدة و تخشع من بلاغتها القلوب و تذرف من طلاقتها العيون... إلخ أما أن تضمها رسالة جامعية أو بحث أكاديمي أو كتاب علمي رصين و لو كان في العلوم الدينية فهذا ما لم نعهده.