الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٧٠ - التمهيد
و بين الدراسة التاريخية بمعنى عدم النظر إليها بحسبان أنها حقائق تاريخية. و لا نكون مغالين إذا قلنا إن هذا هو لبّ الرسالة و هو (خلف اللّه) بذلك يدحض قالة عدد من المفسّرين إن القصص من المتشابه و معلوم أن هذا المتشابه استأثر اللّه بعلمه و أطلع عليه الراسخين في العلم... كما يدفع عن القرآن شبهة الملاحدة و المبشّرين و المستشرقين أن القرآن فيه تناقض و فيه مخالفة لما هو ثابت في وثائق التاريخ فيما يتعلق بما يرويه من قصص و انتهوا إلى أنه ليس منزلا من السماء من عند اللّه و لكن بشرا كان يعلّم محمدا إياه و عزا الباحث ذلك إلى عجز المستشرقين عن فهم أسلوب القرآن.
و لكن هذه القالة من قبل خلف اللّه تثير مشكلة و هي:
إذا كان المستشرقون (كان الأصح أن يقول؛ بعض المستشرقين) قد ذهبوا إلى ذلك لعجزهم عن فهم أسرار القرآن فإن مشركي مكة ذهبوا المذهب عينه و لم يدّع أحد و لا يجرؤ أحد أن يدّعي أنهم لم يفهموا أسرار القرآن.
أما عن المنهج فهو يذكر أن الخطوات التي سار عليها إبان دراسته موضوعه جديدة و قديمة و ليس في هذا تعارض أو تلاعب بالألفاظ. فهي جديدة من حيث أنها دراسة للقصص القرآني على أساس أدبي و قديمة لأنه استقاها من كتب المناهج أو من الواقع العملي لما يفعله النقّاد و كبار رجال الأدب. و أولى تلك الخطوات جمع النصوص و هو يعترف بأنه لم يجد أدنى صعوبة فيها لأنه اعتمد على المصحف.
و يشكّل الترتيب التاريخي للقصص الخطوة الثانية و هو يقر بأن عمدته في ذلك على المصحف الملكي (و كان أصوب لو أنه قال المصحف العثماني أ. هـ. ) رغم أنه يعلم-و هذا ما سجّله-بقلمه أنه ليس بالترتيب التاريخي القويم و يعلّل ذلك قائلا (و لكن ليس في الإمكان أبدع مما كان) و هذه ذريعة إنشائية و ليست موضوعية و في اعتقادنا أنها تنبو عن الرسالة العلمية و الذي نرجّحه أن خلف اللّه و قد بذل هذا الجهد المشكور في الرسالة لم يكن يفوته أن محاولات عديدة قام بها مستشرقون أكابر و أعلام لترتيب آيات القرآن و سوره و كان حريا بالباحث أن يلقي نظرة عليها.