الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٩١ - ٢-الأرواح الخفية
و إذا ما تركنا الملائكة إلى الجن وجدنا صورا مبهمة غامضة لا تتمثل في صورة البشر و لا تأتي في أثواب الرجال. و من هنا كانوا جديرين بهذا الإطلاق «الأرواح الخفية» :
فإنا نلمس حركاتها و نسمع أقوالها و نلاحظ انفعالاتها و اضطراباتها النفسية فيما نقرأ و ما نسمع، و لكنا لا نشاهد صورها الحسية كما هو الحال مع الملائكة.
و الجن في ذكرها لآرائها التي تعرضها علينا تتحدث بما يتحدث به العربي في الجزيرة وقت مجيء النبي عليه السلام و نزول القرآن فهي تخاف مما يخاف منه و تطمئن إلى ما إليه يطمئن، و تنصرف عما يريد القرآن للعربي أن ينصرف عنه.
و في الجن مؤمنون و كافرون كما في العرب، و هم يتجادلون و يتحاورون فيما يتجادل فيه النبي عليه السلام مع قومه أو فيما يتجادل فيه العرب بعضهم مع بعض مما يخص أمور الدعوة الإسلامية.
و سورة الجن تعرض علينا كل هذه الأمور كما يتخيّلها العربي في حياته إذ ذاك حتى ثواب المؤمنين من النوع البشري نفسه الذي يهم ساكن الصحراء وَ أَنََّا مِنَّا اَلْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا اَلْقََاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولََئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً*`وَ أَمَّا اَلْقََاسِطُونَ فَكََانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً*`وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنََاهُمْ مََاءً غَدَقاً*`لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذََاباً صَعَداً [١] .
و للجن صور أخرى في قصة سليمان هي الصور التي نجد صداها في الشعر الجاهلي قبل النبي العربي و بخاصة شعر النابغة. و الجن هنا ما بين غواص و بناء و مقرن في الأصفاد و صورتهم مبهمة غامضة على كل حال. فَسَخَّرْنََا لَهُ اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخََاءً حَيْثُ أَصََابَ*`وَ اَلشَّيََاطِينَ كُلَّ بَنََّاءٍ وَ غَوََّاصٍ*`وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفََادِ [٢] وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ غُدُوُّهََا شَهْرٌ وَ رَوََاحُهََا شَهْرٌ وَ أَسَلْنََا لَهُ عَيْنَ اَلْقِطْرِ وَ مِنَ اَلْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنََا نُذِقْهُ مِنْ عَذََابِ اَلسَّعِيرِ*`يَعْمَلُونَ لَهُ مََا
[١] سورة الجن، الآيات ١٤-١٧.
[٢] سورة ص، الآيات ٣٦-٣٨.