الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٩٥ - القيم الاجتماعية و النفسية
إذ يرى الناظر في هذه الآيات و أمثالها أنها وصف أدبي دال يعبّر أقوى تعبير عن حال أولئك القوم الذين أثقلتهم التقاليد و طال عليهم الأمد فقست قلوبهم و أولئك الذين تمكّنت منهم العقائد الباطلة حتى لينظرون إلى الوجود من خلالها و ختام هذه الآيات يشرح هذه الظواهر أجمل شرح و يوضح تلك الظاهرة الاجتماعية التي تحدث مع كل دعوة و توجد في كل زمان و مكان و هي أن نفوس الناس مختلفة و استعداداتهم متفاوتة و قدرتهم على التخلّص من القديم و الاستجابة للجديد تتوقف إلى حد كبير على ما يحيط بهم من ظروف و ما يلم بهم من أحداث و ما يعدّه الزمن للمستقبل من رجال أحرار يحاولون النهوض بأمّتهم و الأخذ بيدها و السير بها في طريق التقدّم و الرقي. و من هنا نرى القرآن في هذه الآيات يقابل بين صنفين: صنف عدم القادة فأثقلتهم التقاليد و تمكّنت من نفوسهم العقائد الموروثة و هؤلاء هم الذين خصّهم بقوله لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ [١] و صنف آخر استعدّت نفوسهم و تهيّأت عقولهم و قلوبهم لأمثال هذه الدعوة و هم الذين خصّهم اللّه بقوله إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ [٢] .
و هكذا نستطيع أن نمضي مع هذه الآيات و أمثالها فنرى أنها من الأمور التي يفخر بها كل مسلم و يطمئن إليها كل باحث و يحرص عليها كل من وهبه اللّه ذوقا مترفا و إحساسا مرهفا ليتبيّن أن هذه النواميس من أكبر مواطن الإعجاز.
هذه أهم الفروق فيما نرى بين هذا المقام و ذاك.
و هنا أمر لا بد من الوقوف عنده هو أنّا لن ندرس في هذا الفصل من القيم الاجتماعية إلا ما كان عاما كالنواميس الاجتماعية و النفسية التي تثبت و تستقر و لا تتغيّر بتغيّر الظروف و الأحوال. أما تلك الحالات الخاصة التي كان يصوّرها القرآن في حديثه عن الأقوام كصورته لقوم عاد و صورته لأهل مدين أو قوم شعيب من أنهم ينحتون من الجبال بيوتا أو يطففون المكيال و الميزان فأمور لن نعرض لها هنا لأنها بباب القيم الخلقية أليق و لأنها من قبيل الأجواء التي يحرص عليها القصاص.
[١] سورة يس، الآية ٦.
[٢] نفس السورة، الآية ١١.