الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٣٣ - الوحدة القصصية
و بمقارنة هذه السور و الآيات بمسيرة محمد سوف يتكشّف للقارئ الواعي أن هناك علاقة حميمة بين الاثنين و سوف ينتهي إلى أن أغراض النبي و ما تعرض له من ظروف و مناسبات كان له تأثير و أي تأثير و لقد تناولنا بالدراسة هذه النقطة في خصوصية لهجة آيات القرآن في مخاطبة اليهود و المسيحيين (يسميهم النصارى) و المنافقين و عرب الجزيرة عموما قبل عام الوفود و فتح مكة (فتح الفتوح أو الفتح الأعظم) و بعدهما و كيف أن تلك اللهجة تطوّرت و ذلك في كتابنا (دولة يثرب، بصائر في عام الوفود و في أخباره) دار سينا، مصر و مؤسسة الانتشار العربي بيروت/لبنان.
في سورة الشعراء بصدد قصة صالح عليه السلام أخبره قومه أنه من المسحّرين و أنه بشر مثلهم و إن كان صادقا فليأتهم بآية و في قصة شعيب عليه السلام طلب من قومه أن يتّقوا اللّه الذي خلقهم و من سبقهم فردّوا عليه أنه من المسحّرين و مجرّد بشر مثلهم و أغلب الظن أنه كاذب. و إذ أن في الاثنين تشابه في الصياغة فما سر ذلك؟
يجيب خلف اللّه أن في كلتيهما أتى القصد و الغرض و من ثمة جاء التشابه في البناء و الاتفاق في العبارات.
و دائما يختار القرآن الأحداث و الشخصيات و المواقف التي تحقق الهدف الذي يتغيّاه، ففي قصص سورة هود الغرض منها هو تثبيت قلب النبي عليه السلام فاختار المولى سبحانه و تعالى من أحداث الأنبياء مع أقوامهم ما يحقّق هذا الغرض.
أما قصص سورة الشعراء فقد نزلت لتصوير اللدد في الخصومة و تهوين وقع الأمر على النبي-ص-و هذا هو أساس التوافق في البناء و التركيب بل و العبارات. و كان ذلك واضحا و ملحوظا في قصتي صالح و شعيب اللتين جاءتا في سورة الشعراء سواء من ناحية البناء و التركيب أو ما نطق به أبطالها من عبارات في الجدل و الحوارات.
و إذ أن خلف اللّه متمكّن من رأيه أو نظريته فإنه يعرض من الأدلة ما يؤيّدها طردا و عكسا، مثل قصة لنفس الشخص الذي تدور حوله الأحداث أي أن البطل واحد و لكن هناك إختلاف يترك لفطانة القارئ إدراكه على ضوء الرأي الذي طرحه... ففي سورة الشعراء قصة ثمود و صالح و الناقة التي لها شرب و لهم شرب يوم معلوم و تحذيره إياهم من مسها و إلا حاق بهم عذاب يوم عظيم و لكنهم عقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب، ـ