الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٣١ - الوحدة القصصية
و اللّه نفى الاختلاف عن القرآن و أنه لو كان من عند غيره لكان مليئا بالاختلاف.
و هنا قد يسأل سائل أ لا يوجد الاختلاف الذي جاء في سوره بشأن الإخبار عن قصة واحدة فمرة قال موسى لأهله لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى اَلنََّارِ هُدىً [١] و في أخرى سَآتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهََابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [٢] و في سورة القصص لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ اَلنََّارِ [٣] . و في موضع: أخبره أنه ربه و أمره بخلع نعليه و أنه بوادي طوى المقدس و سأله عما بيمينه و في آخر... فَلَمََّا جََاءَهََا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ وَ مَنْ حَوْلَهََا... [٤] ثم أعلمه أنه اللّه العزيز الحكيم و أمره بإلقاء عصاه. و في القصص: نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ [٥] و أخبره أنه اللّه رب العالمين و أمره بإلقاء العصا فلما رآها تهتز أجاب الخطيب الإسكافي في (درة التنزيل) هذا السائل بما يلي:
أن اللّه تعالى لم يخبر أن موسى خوطب باللغة العربية فإذا عدل عنها إلى غيرها مما يخالف معناها كان اختلافا في القرآن قادحا فيه بل معلوم أن الخطاب كان بغير هذه اللغة و يعقّب خلف اللّه أنه جواب غير مقنع لا يحل المشكلة ما دام الموقف واحدا و القصد هو الإخبار عن هذا الموقف. و الحل في رأيه-و قد لمحه الخطيب الإسكافي-بأن هذا موقف و ذاك آخر و الاختلاف يرجع إلى القصد الذي تغياه القرآن من الصورة القصصية فقصة وردت للتسلية أو التسرية عن النبي عليه السلام و أخرى لغرض آخر و الغرض الأدبي لحادث واحد من جوانب مختلفة يكشف عن موضع العبرة و العظة دون قصد إلى تقرير خبر بعينه فإذا اختلفت المقاصد تباينت الصورة المعبّرة عنها. و الاتفاق في الشخصية لا يصح أن يطغى على بقية عناصرها من إختلاف في المقاصد و الأغراض و الصور و الألفاظ و النسق
[١] سورة طه، الآية ١٠.
[٢] سورة النمل، الآية ٧.
[٣] سورة القصص، الآية ٢٩.
[٤] سورة النمل، الآية ٨.
[٥] سورة القصص، الآية ٣٠.