الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٩٨ - د-الرسول لا يشك في مستقبله
أن الغالبية العظمى من الباحثين تطلق على (إلقاء المعرفة من الإله في نفس الرسول) وحيا فإن خلف اللّه لم يفعل ذلك و اختار التوصيف أو العبارة المذكورة و الذي نراه أن التوفيق حالفه في ذلك من وراء الوحي بحسب الآية التي سطّرناها آنفا ضرب من ضروب الإلقاء في نفس الرسول ... إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً... لأن (أو) تفيد المغايرة و الاختلاف هذا من ناحية. و من ناحية أخرى فإن الوحي-بحسب نص القرآن-قد يأتي إلى بشر عادي مثل أم موسى أو حتى إلى غير البشر مثل النحل.
و يعود الباحث إلى الحديث عن الأرواح الخفية فيذهب إلى أنها كانت تختلط في ذهن العربي و آثارها تدل عليها فإن أتت بالخير فهي ملائكة و إن جاءت بالسوء و الشر فهي شياطين و الأخيرة هي التي كانت تنزل على محمد في زعم أهل مكة و هذه علة خروجه على الجماعة و سبه لآلهتهم. و سبق أن ذكر الباحث أن الشياطين كانت تسمع أخبار السماء و منعت من أجل النبي عليه الصلاة و السلام. بيد أن هناك أمرين يلزم ذكرهما:
الأول: أن الشياطين منعت بعد بعث النبي و يرى مفسّرون أنها تمنع في حياة كل نبي و ليس المنع من خصوصيات محمد.
الآخر (الثاني) : أن الرسول الذي يأتيه الوحي و تتنزل عليه الملائكة لا بد له من معجزة تدل على صدق رسالته و صحة نبوّته. و هنا نذكر ملحظا سريعا و هو أن خلف اللّه قرن بين الوحي و تنزل الملائكة مما يدل على أنه اعتبرهما شيئا واحدا فهل هذا يدل على رجوعه إلى رأي غالبية البحّاث من أن الإلقاء في نفس النبي هو الوحي الذي يشمل كافة الصور السابق ذكرها.
الشعب الذي يمن اللّه بفضل اختيار أحد أبنائه رسولا يعتقد بنفسه الفضل و أنه محل الرعاية و العناية و قد آمن الإسرائيليون بذلك و أشاعوه في جزيرة العرب و ترك ذلك أثره في حياتهم في الجزيرة و في حياة الإسلام و نبيه و القرآن حكى عنهم قولتهم أنهم أبناء اللّه و أحبّاؤه في معرض حربه عليها (تلك العقيدة) و قرّر في حسم أن الرسالة لا تخص شعبا بعينه و لا أمة مخصوصة و اللّه صاحب الفضل العظيم يؤتيه من يشاء. و يخلص خلف اللّه إلى أن القرآن يجعل الرسالة ظاهرة دينية و اجتماعية لا تختص بها أمة و لا شعب إلخ. ثم