الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٩٧ - د-الرسول لا يشك في مستقبله
قصر حديثه عن الصلات التي بموجبها يعرف العابد الأوامر و النواهي التي تؤدي بطريق الحتم و اللزوم إلى مرضاته ليدفع النقم و يجلب النعم و ييسّر العسير، و قد تتّخذ صورا حسية بالغة الجلافة مثل إجالة الأقداح و الاستقسام بالأزلام و هذا ما كان يفعله معاصرو محمد-و وسيلة أخرى تتّخذ صورة وسائطية أي غير مباشرة مثل اتصال الكهّان و العرّافين بالأرواح الخفية لكي تطلعهم على أخبار السماء و قد حارب القرآن هذا المسلك.
بيد أن أسمى طرائق الذي ينظّم علاقة العبد بالرب أو العابد بالمعبود هو اختيار واحد من البشر ليكون هو الرسول، و الباحث هنا لا يتناول بشرية الرسول من الوجهة الاجتماعية بل تلقّيه الدين ليوصله إلى الخلق و دعوتهم إلى الإيمان، فاللّه يستأثر بعلم الغيب و لا يطلعه على أحد إلا من ارتضى من رسول و هو يصطفي الرسول ليطلع البشر على ما بلّغه اللّه إياه من غيب و يرسم لهم طريق المستقبل السعيد، و إلقاء ذلك في نفس الرسول له طرق متنوعة مثل الرؤيا الصادقة و هذا ما حدث مع كل من إبراهيم و يوسف عليهما السلام فبالنسبة إلى الأول رؤيا إبراهيم ذبح ابنه أما يوسف فقد رأى أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر يسجدون له و نضيف أنه في سيرة محمد في بدي رسالته كان يرى الرؤيا الصادقة فتأتي كفلق الفجر.
و قد يأتي إلقاء المعرفة عن طريق التكلّم و قد حدث ذلك مع موسى وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسىََ تَكْلِيماً [١] أو يرسل إليه ملكا تمثّل في صورة البشر مثلما حدث مع مريم و مع إبراهيم... و نضيف أن هذه الهيئة كانت الغالبة مع محمد و كان جبريل يأتيه في العديد من المرات في صورة دحية الكلبي و هو صحابي كان يتمتع بقسامة و وسامة غير عادية حتى أنه كان يضع على وجهه قناعا خشية أن تفتتن به الأثربيات و يرى خلف اللّه أن طريقة إلقاء المعاني المرادة في ذهن الرسول و هي الطريقة الأخيرة حدثت مع كل الرسل (هكذا بلا استثناء) و أن القرآن قد جمع كل هذه الطرائق في قوله تعالى وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [٢] و إذ
[١] سورة النساء، الآية ١٦٤.
[٢] سورة الشورى، الآية ٥١.