الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٨١
لم يسبق أحد من المحدثين خلف اللّه في هذه الجرأة و لعله قد راعى أنها رسالة جامعية و أطروحة أكاديمية حرية البحث و التعبير فيها مكفولة. بيد أن مما يؤسف أن العاصفة التي و اكبتها و الزوابع التي قابلت كتابيّ طه حسين و علي عبد الرازق أرعبت من جاء بعد ذلك من الباحثين و بذلك افتقدت جامعاتنا حرية البحث العلمي العمود الفقري لأي جامعة و التي بدونها لا يصح أن تسمّى جامعة... كما خسرت مصر باحثا واعدا، كان ينتظر منه الكثير من العطاء الكثير العميق.
لأمر ما كان فإن لسورة الكهف مكانة خاصة عند المؤلف فهو بعد أن ذكر الظواهر التي أوجزناها بعالية فإنه يأخذ منها مثلين للتدليل على صحة هذه الظواهر التي كان له هو نفسه فضل اكتشافها أو التعرّف إليها:
المثل الأول: الفتية أصحاب الكهف فهو يرى أن القرآن أبهم عددهم و عدد السنين التي لبثوها و طلب من محمد أن يوكل ذلك كله إلى علم اللّه وحده. مع أن اللّه يعلم الأمرين: عدد الفتية و عدد السنين التي لبثوها و مكثوها. فلما ذا فعل ذلك؟أي لما ذا جاء العددان مبهمين، مع أن هذه الواقعة إحدى ثلاث وقائع تحدّى بها أحبار يهود محمدا بعد لجوء صناديد قريش إليهم لمعرفة هل هو نبي يأتيه الوحي من السماء أو متنبّئ متقوّل؟
في رأي المؤلّف أن الإبهام كان مقصودا لأن اليهود أنفسهم كانوا مختلفين في عدد الفتية و عدد سني اللبث فإذا جاء القرآن و قصّ هذا الاختلاف فإنه إنما جاء مطابقا لرأي اليهود و بحسب المقياس اليهودي السابق ذكره يكون محمد نبيا رسولا (و لو ذكر القرآن العدد الحقيقي و أعرض عن أقوال اليهود لكان التكذيب القائم على أن محمدا لم يعرف عدد الفتية، و ليس هذا إلا أن الوحي لا ينزل عليه من السماء) .
و المثل الآخر (الثاني) : قصة ذي القرنين و ما جاء فيها عن غروب الشمس في عين حمئة لأن القرآن بذلك يكون قد صوّر مسموعات القوم لا مبصراتهم أي ما سمعوه عن هذا الأمر، لا ما يشاهدونه كل يوم في الغروب و يميل الباحث إلى أن القرآن كان يقيم تشبيهاته و استعاراته كما كانت تقيّمها العرب و يورد تدليلا على ذلك ما جاء في بعض