الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٧٤
و استتبع ذلك إقدام المفسّرين على تفسير القرآن و فهمه عن ثقافة تاريخية لا ثقافة فنية أدبية... و كان من البديهي أن تنتصب في وجوههم عقبات كئود وقفوا طويلا أمامها و لم ينقذهم منها إلا رجوعهم للحق و يقصد به خلف اللّه فهم قصص القرآن على أسس البلاغة العربية و الفن القصصي.
و قبل أن نتناول بإيجاز ما اتّخذوه سبيلا لذلك نشير إلى أن خلف اللّه بتبنّيه هذا الأساس (الأدبي و اللغوي و البلاغي) و دعوته إليه أسدى خدمة جليلة للقرآن و محمد و لكن مناوئيه لم يقدّروا له هذا الصنيع و ليس لغزا في حاجة إلى حل هو أن مبعث غضبهم-و هذا أمر ضروري لجأ إليه القرآن ذاته-هو ذكر حجج المعارضين و أدلّة المناوئين و براهين المخاصمين فهم يرون أنه ما كان يحق له أن يذكر في رسالته:
أن هامان لم يكن وزيرا لفرعون موسى-و أن مريم ليست أخت هارون لأن بينهما ما يقرب من ألفي عام-و أن عيسى لم يتكلّم في المهد و أن سليمان و له ملك لا ينبغي لأحد من بعده ما كان له أن يجهل وجود بلقيس و مملكتها في حين اكتشفها هدهد على مسافة قريبة.
و الرد على ذلك أن إيراد هذه المطاعن أمر لازم للرد عليها و إلا فكيف يتسنّى تنفيذها دونه. فضلا عن أن الأقدمين أو السلف الصالحين ألّفوا كتبا في تنزيه القرآن عن المطاعن فعلوه و أكثر منه-و لقد تأكّد لي من مقارنة كتب سيرة محمد التراثية بالحديثة أو المحدثة أن الأولى كانت تتّسم بالأمانة العلمية فذكرت وقائع السيرة بأكملها دون حذف أو تزويق بخلاف الأخيرة فإنها عمدت إلى الحذف و التزيين و البرقشة... و بداهة أن هذا منهج فسيد-و من ثم في رأينا أن مسلك الدكتور خلف اللّه في إبراز المطاعن سواء الخاصة بالأخطاء التاريخية أو التناقض و التعارض مما سوف يأتي بعد كان أحد أهم أسباب الثورة التي قوبلت بها الرسالة، و لا يهم أن يصرّح الغاضبون بذلك و سوف يأتي الكثير فيما يلي و يستجد.
نرجع بعد ذلك إلى عدد من المواقف التي، وقف عندها المفسّرون ليصح فهمهم و يستقيم تفسيرهم لقصص القرآن.