الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٦٦ - مقدمة تحليلية
على الناس بفكرة هشة لم يدعمها بمنهج علمي محبوك أو حتى بمنهج فطير (غير ناضج) لما حرّك لهم ساكنا بل ربما دفعهم ذلك إلى السخرية و الاستهزاء و بضاعتهم في هذين الضربين و فيرة و زادهم منهما كبير، يشهد على ذلك تاريخهم الفكري هذا إن صحّ تسمية ما يدلقونه من آراء فكرا.
لو أن خلف اللّه قدّم ما قدّم في كتابه هذا الرائع المعجب بعبارات إنشائية و جمل خطابية لما شاهدنا خصومه في الرأي آنذاك، بل و حتى الآن يلفون حول أنفسهم و يكلّمونها شأن المتغبّط المفروس... و لكن لأنه قدّم الدليل إثر الدليل و الحجة بعد الحجة و البرهان عقب البرهان مما ألقمهم حجرا وراء حجر فقد فقدوا صوابهم و طاشت أحلامهم و خفّت عقولهم و سلكوا مسالك لا تليق.
أما عن الصفة الأخرى و هي الأصالة فلقد أثبت خلف اللّه أن فكرته ليست مبتدعة و أن عددا من علماء اللغة أشار إليها و ألمح إلى فحواها. و لكنهم توقّفوا في أول الطريق فجاء هو و أكمل المسيرة و أتمّ الشوط إنما بطريقة تقطع بالأستاذية و التمكّن و التعمّق و الثراء الفكري و الخصوبة الثقافية. و هذا جميعه يجعل تقويم هذا المؤلّف (بفتح اللام) للقارئ مهمة عسرة أشد ما يكون العسر ثقيلة أوعر ما يجيء الثقل، فادحة أوفر ما تغدو الفداحة.
أما عن الجانب الثالث أو الأخير: فهو المؤلّف.
الذي أثبت منذ (الفن القصصي) و هو رسالته للدكتوراه أنه مفكّر عميق جمع من العلوم الإسلامية أشتاتا بمقدرة و مهارة و في مقدّمها علوم اللغة و تفسير القرآن و تتّضح إحاطته بهما إحاطة نادرة في كل صفحة من صفحاته.
و لم تكن أطروحة (الفن القصصي) بالنسبة له هي بيضة الديك شأن سواه بل ظلّ يواصل العطاء أكثر، و مثل هذا المصنّف (بكسر النون) من أصعب الأمور أن تتحدّث عنه-دعك من أن توفيه حقّه من التقدير-و مما يضاعف الصعوبة أنه لم ينل ما هو جدير به من مكانة حتى بعد وفاته إلى رحمة اللّه-فلم تشرع أقلام في تقييم فكره أو عرض مؤلفاته و رفع الحجاب عما فيها من أصالة و جدّة معا و مما يؤسف له أن من هم أقصر قامة من خلف