الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٥٧
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ فَلاََ تَسْئَلْنِ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ*`قََالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مََا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلاََّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ* `قِيلَ يََا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلاََمٍ مِنََّا وَ بَرَكََاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلىََ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنََّا عَذََابٌ أَلِيمٌ [١] .
فهنا كما ترى بعد حذفنا للعنصر القصصي الخاص بأحداث الطوفان تجد العناصر القصصية الباقية تصوّر الحالة العربية في زمن النبي عليه السلام و موقفه منها. و نستطيع أن نهمل شرح كونه نذيرا و أنه بشر و أن الذين اتّبعوه هم الأراذل، و أنه لن يطردهم، و أن أجره على اللّه، و أنه لا يطلب منهم مالا فتلك عناصر قد تكررت. و تبقى بعد ذلك أمور دالة، منها البيّنة، تلك التي عميت عليهم و التي لا يريد أن يلزمهم بها و هم كارهون. أ ليست هذه هي الحال المشابهة تماما لحال النبي عليه السلام حين طلبوا منه الآيات البيّنة على صدق الرسالة و صحة الدعوة، و التي كان يجيب القرآن عليها بمختلف الإجابات. و لقد كان من أوضح إجاباته تلك التي وردت في سورة العنكبوت من قوله تعالى وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيََاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ وَ إِنَّمََا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ*`أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ يُتْلىََ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرىََ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [٢] . و منها أنه لا يدّعي أنه يملك خزائن اللّه أو يدّعي علم الغيب أو يقول إنه ملك. و منها ذلك التحدي القائم على تكذيبه بأن يأتيهم بالعذاب إن كان صادقا فيما يذهب إليه. و منها مسألة الافتراء، و هي من غير شك التفاتة إلى الأمور المعاصرة فما تعلم أن نوحا قد نزل عليه كتاب. و لعل هذا هو الذي دفع بعض المفسّرين إلى القول بأن هذه الآية ليست من قصة نوح و أنها خاصة بمحمد عليه السلام. و منها تلك السخرية التي يقومون بها حين يمرون عليه و هو يصنع الفلك.
و نستطيع أن نضيف إلى الأمور السابقة موقف ابنه منه، و ما كان من فرقة دينية بينهما كما نستطيع أن نضم إلى ذلك موقف زوجته منه فهي الأمور التي تمثل الوضع العربي، و إن مثّلته على أنه القاعدة العامة أو الناموس النفسي الذي لا يتخلّف. و قد أشرنا
[١] سورة هود، الآيات ٢٥-٤٨.
[٢] سورة العنكبوت، الآيتان ٥٠-٥١.