الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٥٤
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلىََ قَوْمِهِ فَقََالَ يََا قَوْمِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ أَ فَلاََ تَتَّقُونَ*`فَقََالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مََا هََذََا إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَنْزَلَ مَلاََئِكَةً مََا سَمِعْنََا بِهََذََا فِي آبََائِنَا اَلْأَوَّلِينَ*`إِنْ هُوَ إِلاََّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتََّى حِينٍ*`قََالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي بِمََا كَذَّبُونِ [١] .
فنحن نلحظ من هاتين القصتين أن عناصرهما تصوّر الحياة العربية المعاصرة للنبي عليه السلام و نزول القرآن. فهم يرونه في ضلال و يرون به جنة و يعتقدون أن لو شاء اللّه لأنزل ملكا فما سمعوا من قبل بأن الرسول يكون من البشر و ليست المسألة إلا أنه واحد منهم يريد أن يتفضل عليهم. و كل هذه الأشياء هي التي حدثت في البيئة العربية بين العرب و بين النبي عليه السلام.
و الذي يصح أن نلفت إليه الذهن في هذا المقام هو أن الضيق بالرسول قد بدأ يستقر في نفس الجماعة، و أن الرغبة في التخلّص منه قد أفصحت عن نفسها و لكنها رغبة لينة لم تستكمل عناصر القوة بعد، و لذا فهي تكتفي بالتربّص. و ليس ذلك إلا ما ذكره القرآن عن نبيّنا عليه السلام. قال اللّه تعالى فَذَكِّرْ فَمََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكََاهِنٍ وَ لاََ مَجْنُونٍ*`أَمْ يَقُولُونَ شََاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ*`قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ اَلْمُتَرَبِّصِينَ [٢] .
و ننتقل بعد ذلك إلى القصة في سورة يونس فنرى الضيق قد بدأ يشتد؛ و الرغبة في التخلّص منه قد أخذت تقوى، و هو لا يزال قوي العاطفة رابط الجأش يعتمد على ربه في الصغيرة و الكبيرة من أمره. ثم هو في الوقت نفسه حريص عليهم شديد الرغبة في هدايتهم يظهر شيئا من الحنان نحوهم. يقول اللّه تعالى وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ يََا قَوْمِ إِنْ كََانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقََامِي وَ تَذْكِيرِي بِآيََاتِ اَللََّهِ فَعَلَى اَللََّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ ثُمَّ لاََ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَ لاََ تُنْظِرُونِ*`فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمََا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ [٣] .
[١] سورة المؤمنون، الآيات ٢٣-٢٦.
[٢] سورة الطور، الآيات ٢٩-٣١.
[٣] سورة يونس، الآيتان ٧١-٧٢.