الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٣٨ - تطوّر الفن القصصي
أنه إن لم ينصرف عنهم أن تتغلب فيه النزعات البشرية و العواطف الجنسية فيصبو إليهن و يفعل ما يفعله الجاهلون. و هنا تلمس يوسف يد العناية فتستجيب لدعائه و تصرف عنه كيد النساء.
و ندخل مع يوسف السجن و نلحظ ما أفادته العناية الإلهية، كما نلحظ ما فيه من شعور ديني، فهو يعبّر الرؤيا لصاحبيه، و هو يدفعهم إلى التوحيد و عبادة الواحد القهار، و هو ينهاهم عن عبادة الأوثان، و هو يطلعهم على أن ذلك من فضل اللّه عليه.
ثم يحمّل الناجي من صاحبيه أمانة و يطلب إليه أن يذكره عند ربه و إن يكن الشيطان قد أنساه. و يعاود الحظ يوسف و تلمسه يد العناية حين يرى الملك رؤياه و حين يعجز الملأ عن تعبير تلك الرؤيا، إذ عند ذلك يذكر الناجي من صاحبي يوسف يوسف و يذهب إليه مستفتيا و يجيبه يوسف إلى ما طلب و يعبّر له الرؤيا و يدل على القصد من البقرات السمان و العجاف و السنبلات الخضر و اليابسات.
و يطلب الملك يوسف و يأبي هذا حتى يحقّق الملك مبتغاه و حتى يرسل إلى النسوة و يقف منهن على الحقيقة فيما كان من أمره مع امرأة العزيز، و تأتي هذه و تعلن أنها هي التي راودته، و أنه صادق في كل ما قال، و يأتي يوسف و يطلب إلى الملك أن يجعله على خزائن الأرض و يستجيب الملك و ينال يوسف مبتغاه.
و في مدة السجن هذه نلحظ أثر العنصر النبوئي أو الغيبي و الدور الذي لعبه في القصة. نلحظه كما لحظنا من قبل أثر العنصر الجنسي في توجيه حياة يوسف من الكيد له في أثناء مقامه في بيت العزيز إلى أن انتهى به ذلك الكيد إلى إلقائه في السجن حتى أنقذته يد العناية و خرج من السجن بسبب رؤية الملك.
و تعود بنا القصة إلى بعض الذكريات السابقة فتجمع بين يوسف و إخوته مرة ثانية فيعرفهم و هم له منكرون، و يحتال عليهم حتى يأتوه بأخ لهم من أبيهم و يحتالون هم بدورهم على أبيهم ليرسل معهم ذلك الأخ، و يحتاط و الدهم كما احتاط أولا، و لكن القدر الذي يوجّه القصة يدفعه إلى القبول و يذهب الأخ إلى أرض مصر حيث يقيم يوسف. فآواه إليه و قال إني أنا أخوك فلا تبتئس.