الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٣٧ - تطوّر الفن القصصي
و نلحظ هنا نوعا من السذاجة يلائم العقل العربي أو العقل البدوي، فقد كان خوف أبيهم من أن يأكله الذئب، و كانت حيلتهم للتعمية و التضليل إخبار أبيهم أن قد أكله الذئب، و التجاوب بين الخوف و الاعتذار سذاجة في البناء القصصي تلائم طبيعة البداوة فيما أعتقد.
و نلحظ بعد ذلك تلك السحابة الرقيقة من الحزن التي تغشى نفس يعقوب و تسمع حديثه إليهم و إيمانه القلبي بأن أنفسهم قد سوّلت لهم أمرا و نرى استسلامه للقدر فصبر جميل و اللّه المستعان على ما يصفون.
ثم نمضي مع يوسف حين يلتقط من الجب و حين يشرى بثمن بخس فنترك أرض فلسطين إلى أرض مصر و نترك البادية إلى المدينة، و نستقر في بيت من أعظم بيوتها هو بيت العزيز، و نستمع إليه يوصي به خيرا لعله أن ينفعه أو يتخذه ولدا. و هنا نحس أن يد العناية قد لمسته فمكّنت له في الأرض و علّمته من تأويل الأحاديث، ثم أخذت تدفع به إلى الأمام لينتصر على الكيد و الحسد و يفوز على من أرادوا التخلّص منه لتستقيم لهم الأمور و تستقر في نفوسهم أسباب المودة و السعادة و يكونوا من بعده قوما صالحين.
و في بيت العزيز تتعقّد الأمور، فيكون الصراع بين العقل و العاطفة و ينتصر العقل لدى يوسف الفاضل، و تحس المرأة بالهزيمة فيملأها ذلك حقدا و غيظا، و يبدأ، بالنسبة إلى يوسف، كيد جديد و تتّهمه امرأة العزيز بأنه قد أراد بها السوء و أن جزاءه يجب أن يكون السجن أو العذاب الأليم. و هنا يدخل القصة عنصر جديد هو عنصر الكشف عن حقيقة الجريمة، و يستدل العزيز على أن فتاه لم يخنه من أن قميصه قد من دبر.
و تتوالى الأحداث و هي طبيعية متساوقة إذ يسمع النسوة بالمدينة عن الحادث فيأخذنه، كما هي عادتهن، بإكثار الحديث عنه، و تسمع امرأة العزيز بما يدور حولها و تفكّر في مخرج من هذا المأزق، فتهديها فطرتها إلى ذلك الاجتماع الذي ينقلب فيه العاذلات عواذر، إذ يؤخذن بجمال الفتى و يرين أنه ليس من البشر و أنه ليس إلا الملك الكريم. و تحس امرأة العزيز أن قد ملكت ناصية الموقف فيعاودها حرصها على إشباع رغبتها الجنسية و تعلن أمامهن أنها قد راودته عن نفسه فاستعصم، و أنه إن لم يفعل ما تأمره به ليسجنن و ليكونا من الصاغرين. و يختار يوسف الفاضل السجن و يرى أنه أحب إليه مما يدعونه إليه و يخشى