الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٢٤ - ثالثا-الحوار
ذلك أيضا أن القرآن كان لا يساير نفسية المتحاورين بقدر ما يساير نفسية محمد عليه السلام و نفسية معاصريه، و من هنا خضع أسلوب القصص لتلك المميّزات العامة المعروفة عن أسلوب القرآن في عهديه المكي و المدني.
(٢) يلاحظ أنه في القصص الذي نزل أولا، كان يعتمد على الرنين الصوتي للألفاظ، يعاونه في ذلك الفقرات القصيرة المسجوعة، و ذلك لأن عاطفة النبي عليه السلام كانت في ذلك الطور قوية جياشة مندفعة، و من هنا كانت الانتقالات الفجائية السريعة التي تظهر في القصة الواحدة، و التي تظهر في مجموعة القصص الواردة في سورة واحدة، و لذا كان القصص قصيرا جدا في هذه الفترة، و يمثل هذه السمات قصص سورة القمر.
(٣) يلاحظ في القصص الذي يوضح العقائد الجديدة، و يحاول أن يهدم القديمة أن السخرية بالأفكار و العقائد تدخل فيه كعنصر فني، و هي سخرية مرة نافذة، إذ تحاول أن تضع الحقائق الواضحة المتميزة أمام كل ذي عينين ليستفيق من غشيته، و ليحس إحساسا قويا بما هو فيه من ضلال، و ذلك الأمر يمثله قصص إبراهيم عن عبادة الأوثان، خاصة في سورتي مريم و الشعراء.
كما يلاحظ في هذا الجزء شيء من هدوء العاطفة عند الرسول، و نلمس ما تحمل الألفاظ من حنان حتى ليشعر القارئ أو السامع أنه في كنف شخص عظيم يظله برعايته و يحاول أن يصرف عنه القسوة و العذاب، و يمثل هذا اللون قصص هود و صالح و شعيب من سورة الأعراف كما يمثله قصة إبراهيم في سورة مريم.
(٤) في القصص الذي يأتي للتنفيس و الإفاضة تكون العواطف جياشة قوية، و إن تكن أميل إلى الاستسلام، و ذلك هو الأمر الذي تدفع إليه العلاقة القائمة بين الرسل و الأقوام. و من هنا تأتي الألفاظ هيّنة مسترسلة لتجري مع طبيعة العاطفة و ما فيها من يأس و استسلام. و من هنا نلحظ من حين لآخر وجود العنصر الفني الديني الذي أسميناه فيما يأتي بالمناجاة، و هي عبارات أصبحت تقليدية في بعض الأدعية الدينية.
و هنا قد نلاحظ اختلافا في العاطفة بين المتحاورين، فيبقى المستكبرون على ما عرف عنهم من قسوة و جبروت، و يمضي الأنبياء بين بين و إن غلبت المسالمة، و ذلك لما يكمن في قلوبهم من محبة الأهل و العشيرة، و لما يبلغونه من انتصار الدين، و لما يرجونه من