الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣٠٨ - ٤-شخصيات النساء
يََا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هََذََا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [١] .
و تذهب ملكة سبأ بما في المرأة من ضعف مستحب، و ما فيها من سعة الحيلة و حسن السياسة، تلين إلى درجة تشبه الضعف، و تستسلم إلى حد يكاد يكون خضوعا، و هي المالكة لناصية الحال، ترسل الهدية إلى الملك لتكتسب بها يدا عنده، لكنه يرفض و يأبي عليها إلا أن تأتي إليه، فتذهب إلى الملك كالمستسلمة و تعلن أمامه أنها قد ظلمت نفسها ثم تعترف بأنها قد أسلمت معه للّه رب العالمين.
و لسنا بحاجة إلى الحديث عن امرأة عمران و عاطفتها الدينية و نذرها ما في بطنها محررا. و لا إلى الحديث عن امرأة إبراهيم و عجبها من أن يكون لها ولد و بعلها شيخ و هي عجوز عقيم. و لا إلى الحديث عن موقف كل من امرأة نوح و امرأة نوح و امرأة لوط، لأن كل هذه لفتات و صور واضحة لا تحتاج إلى وقوف طويل.
و ننتهي من الحديث عن الشخصيات في القصص القرآني بقولنا:
(١) إن مذهب القرآن في رسمها و تصويرها كان المذهب غير المباشر و هو الذي يذهب فيه القاص إلى عرض الشخوص في تفكيرهم و أعمالهم و حركاتهم، و يترك لنا نحن التعرّف إليها من طرق تفكيرها و نهج أعمالها و سبحات روحها حتى لكأنها الشخص الذي نعاشره منذ زمن، فعرفنا خلقه و مزاجه و طوايا عقله و خبايا فؤاده.
(٢) إن شخصيات النساء كانت تسيّرها الغرائز و العواطف الأولية. أما شخصيات الرجال، من غير الأنبياء، فكانت تسيّرها المصالح الخاصة و العقائد الباطنية و النزعات النفسية و الإهواء. و من هنا كانوا خليطا تخضع كل مجموعة منها لمؤثر من هذه المؤثرات. أما شخصيات الرسل فكانت تسيّرها المثل العليا و المبادئ الدينية و من هنا تشابهت صفاتهم العقلية و حركاتهم الفكرية و جرى على ألسنة الكثيرين منهم عبارات بعينها متحدة الصورة أو متقاربتها، و إن كانوا، بين فترة و أخرى، يخضعون لما يخضع له غيرهم من الجنس البشري فيغضبون و يفرحون و يتناولون الأعداء بالذم و يتوجهون إلى اللّه بالدعاء عليهم،
[١] سورة مريم، الآيات ١٦-٢٣.