الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٥٦ - البيئة العربية
القصصي أَ لَمْ تَرَ فيما يذهب إليه المفسّرون [١] .
و الظاهرة الجديرة بالتسجيل في هذا المقام هي أن أقاصيص هذا النوع قد كرّرت و جاءت في أكثر من موطن و لأكثر من غرض و تشهد بذلك أقاصيص عاد و ثمود أو هود و صالح. و التفسير الذي نعتقده صحيحا في هذا المقام هو أن القرآن الكريم كان يذهب مذهب من يبني الأقاصيص على ما هو المألوف أو ما هو المشهور المتداول من مسائل التاريخ و قضاياه.
(٣) نوع ثالث و هو الكثرة قد يشتبه فيه القارئ فلا يدري أ هو من النوع الأول أم هو من النوع الثاني و أمثلته أقاصيص آدم مع إبليس و قصة الخلق و قصص لوط و نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و داود و أيوب و غيرهم. و هو نوع نستطيع أن نصل إلى حقيقة الأمر في الصلة بينه و بين البيئة العربية و بخاصة المكية بأمرين الأول طريقة القص و الثاني التكرار.
(أ) أما طريقة القص فتشعرنا بأنه كان معروفا ذلك لأن القرآن كان يجري في القصص أول الأمر على أسلوب موجز فكانت أقاصيصه أشبه بالإشارات إلى ما هو المعروف. أو كانت لفتات إلى أحداث تعرفها البيئة و لا تجهل من أمرها شيئا و ذلك هو الواضح تماما من مجموعة أقاصيص سورة القمر. و لعل مما يؤكد هذا الذي نذهب إليه أن القصص القرآني كان يقصد منه أول الأمر الإنذار و العظة و العبرة و كلها من المقاصد التي تطلب من الأحداث المعروفة حتى يكون للإنذار خطره و للعبرة أثرها.
(ب) و أما التكرار فإنه يؤدي إلى النتيجة نفسها حين يفيد أن القرآن الكريم كان يجري على مذهب أدبي معين هو بناء القصة القرآنية من مواد معروفة و مشهورة و متداولة في البيئة ذلك لأنه على فرض أن هذه المواد التاريخية ما كانت معروفة في البيئة العربية قبل البعثة المحمدية و نزول القرآن فإن ما نزل منها أولا كان يكفي بالتعريف بها و ما نزل ثانيا و ثالثا و رابعا... إلخ يعتبر من قبيل بناء القرآن للقصة على ما هو المعروف أو المشهور المتداول.
[١] راجع تفسير سورة الفجر في كل من الرازي و الكشاف.