الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٥٤ - البيئة العربية
إلا إلى العظة و العبرة و إلى البشارة و الإنذار و إلى الهداية و الإرشاد و إلى شرح مبادئ الدعوة الإسلامية و الرد على المعارضة و إلى تثبيت قلب النبي عليه السلام و من اتّبعه و زلزلة نفوس المشركين و الكفرة و إلى غير ذلك من مقاصد و أغراض ليس منها التاريخ على كل حال.
و المسألة الثانية هي أن هؤلاء الذين اختارهم القرآن الكريم ليقص قصصهم لم يكونوا جميعا من البيئة العربية و إنما كانت الكثرة الكاثرة منهم من غيرها، من بلاد المصريين و العبريين و السبئيين و من بلاد اليونان و الرومان و أقاموا فيها و أرسلوا إلى أهلها و وقعت أحداثهم في هذه البلاد و جرى الحوار فيما بينهم و بين من أرسلوا إليهم بلغات هذه الأقاليم بل جرى الحوار أحيانا بلغات قد لا نعرفها و قد لا يستطيع عقلنا القاصر أن يتصوّرها و إلا فبأي لغة تحدّث الخالق جلّ و علا إلى كل من الملائكة و إبليس في قصة خلق آدم و بأي لغة تحدّث إبليس إلى آدم في قصة الخروج من الجنة. إنها الأمور التي لا نعرف منها إلا الفروض الخياليّة [١] .
هذه الكثرة الكاثرة من الرسل و الأنبياء عليهم السلام من أمثال آدم و نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و سليمان و داود و يوسف و موسى و أيوب و يونس و الياس و غيرهم لم يكونوا مجهولين في بيئاتهم الأولى و إنما كانوا معروفين تعرف كلا منهم بيئته و تقص أخباره على بنيها و تنقل هذه الأخبار إلى الأمم المجاورة و نعتقد أن ليس هناك من يدّعي أن الذي قد حدث غير هذا و أن هذه الأمور من المسائل التي استأثر اللّه بعلمها و أنها من الغيب الذي لا يعرفه إلا من يطلعه اللّه عليه لأن هذا القول مما يخالف طبائع الأشياء.
كانت هذه الأشياء من الأمور المعروفة في بيئات الرسل عليهم السلام و في البيئات التي انتقلت إليها هذه الأخبار. و الذي نريده الآن هو الوقوف على الصلة التي كانت قائمة بين هذه الأقاصيص و بين البيئة العربية عامة و المكية بصفة خاصة قبل البعثة المحمدية و قبل نزول القرآن فهل كانت البيئة تعرف من أمر هؤلاء الرسل شيئا أو كانت تجهل من أمرهم كل شيء؟إن الإجابة عن هذا السؤال من الخطورة بمكان ذلك لأنها التي ستحدد لنا المسائل التالية:
[١] راجع المستصفى، للغزالي، جـ ١، ص ٣٢٨-٣٢٩.