الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٨٨ - ٢-القصة التمثيلية
و هنا أمر آخر لا بد من توضيحه هو أن الحاجة إلى الخيال في القصص القرآني أو في التمثيل القرآني لم تأت لحاجة المولى سبحانه و تعالى إلى الخيال في التعبير عن المراد. و حاشا للّه أن يحتاج إلى الخيال. و إنما جاءت لحاجة البشرية لهذا الخيال و لأن ذلك هو الأسلوب الذي تجري عليه في التعبير عن الأحاسيس و الأفكار.
يقول صاحب الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً [١] ما يلي: «و ما جاء القرآن إلا على طرقهم و أساليبهم من ذلك قولهم لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوى العوج و كم لهم من أمثال على ألسنة البهائم و الجمادات و تصوّر مقاولة الشحم محال و لكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه كما أن العجف مما يقبح حسنه فصوّر أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع و هي به آنس و له أقبل و على حقيقته أوقف و كذلك تصوير عظم الأمانة و صعوبة أمرها و ثقل محملها و الوفاء بها» .
فإن قلت قد علم وجه التمثيل في قولهم الذي لا يثبت على رأي واحد أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى لأنه مثلت حاله في تميله و ترجّحه بين الرأيين و تركه المضي على أحدهما بحال من يتردّد في ذهابه فلا يجمع رجليه و ليس كذلك ما في هذه الآية فإن عرض الأمانة على الجماد و إبائه و إشفاقه بحال في نفسه غير مستقيم فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال و ما مثال هذا إلا أن تشبهه شيئا و المشبّه به غير معقول.
قلت الممثّل به في الآية و في قولهم لو قيل للشحم أين تذهب و في نظائره مفروض و المفروضات تتخيّل في الذهن كما المحققات. مثلث حال التكليف في صعوبته و ثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السموات و الأرض و الجبال لأبين أن يحملنها و أشفقن منها [٢] .
إذ يلفت الزمخشري ذهننا إلى أن التمثيل هنا قد جاء لأنه الأسلوب العربي و لأن
[١] سورة الأحزاب، الآية ٧٢.
[٢] الكشاف، جـ ٢، ص.