الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٨٧ - ٢-القصة التمثيلية
إنّا نؤمن بالحقيقة الأدبية كما نؤمن بالحقيقة العقلية و نعرف الصدق الفني كما نعرف الصدق العقلي و إذا كان الثاني هو مطابقة القول للواقع فإن الأول هو الصدق في تصوير ما يخلقه الوجدان أو يخترعه الخيال، هو الصدق في الترجمة عما بالنفس من رأي أو فكرة أو عاطفة أو إحساس. و إذا كان لا بد من قول قديم نستند إليه فهو مطابقة القول للاعتقاد.
إن هذه المسألة مسألة الصدق الفني لا تمس التمثيل وحده و إنما تمس غيره من أمور بلاغية أو بيانية كالمبالغة و الغلو و الإغراق و يعجبني في هذا الموقف رأي لابن قتيبة ذكره في كتاب الأشربة و أعتقد أنه يحل إلى حد ما هذا الإشكال. قال رحمه اللّه «و قال لنا إسحاق عيب وكيع بقوله هو أحل من الماء لأنه إن كان حلالا و هو بمنزلة الماء فكيف جعله أحل منه و نحن نقول إنه ليس يلحق و كيعا في هذا الموضع عيب و لا يرجع عليه منه عتب لأن كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم في الوصف و استقصائهم بالمدح و الذم. يقولون هو أشهر من الصبح و أسرع من البرق و أبعد من النجم و ليس ذلك بكذب لأن السامع له يعرف مذهب القائل فيه و كلهم متواطئون عليه كذلك قوله هو أحل من الماء يريد المبالغة في وصفه بالتحليل» [١] .
و واضح أنه يريد أن يقول إذا كان هناك مذهب أدبي أو بلاغي تجري عليه اللغة في التعبير عن العواطف و الأفكار و كان هذا المذهب لا يعنى بمطابقة لحق فإن للأديب الحق في أن يجري على هذا المذهب و ليس للقارئ أو السامع عليه اعتراض ما دام قد عرف مذهبه في هذا و لا يستطيع أن يجعل صنيعه هذا من باب الكذب بحال من الأحوال.
و نعتقد أن هذا يوضح أمورا كثيرة و يجعلنا نقول بوجود القياس الشعري و التعبير عن الصور التي يخلقها الذهن أو الخيال في القرآن و في كلام الأنبياء.
لنعد الآن إلى التمثيل و إلى القصة التمثيلية في القرآن.
و هنا أحب أن أصرّح بأني لا أقصد إلى القول بأن كل المواد القصصية في القصص التمثيلي القرآني وليدة الخيال ذلك لأن بعضها قد يكون وليد الأحداث الواقعية و ذلك هو الواضح من قصة الملكين السابقة و ما فيها من أحداث من تاريخ داود عليه السلام.
[١] كتاب الأشربة، ص ٥٤.