الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٧٤ - (١) القصة التاريخية
قوله وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاََثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً فقال بعضهم ذلك خبر من اللّه تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك و استشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا و قالوا لو كان خبرا من اللّه عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا وجه مفهوم و قد أعلم اللّه خلقه مبلغ لبثهم فيه و قدره. ذكر من قال ذلك...
و هكذا ترى أن من الأقدمين من أجاز أن تكون هذه الصور التاريخية صورا لما يعرفه أهل الكتاب عن قصة أصحاب الكهف و معنى ذلك أن القرآن الكريم يصوّر في بعض قصصه اعتقاد المعاصرين أو المخاطبين.
و هذا الرأي هو الذي اعتمد عليه الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الوهاب النجّار في رده على المستشرقين الذين كتبوا مادة أصحاب الكهف من دائرة المعارف الإسلامية فقد قال رحمه اللّه: الذي ألاحظه أن عبارة دائرة المعارف الإسلامية كعبارة أكثر المفسّرين تعتبر أن قوله تعالى وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاََثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً خبر عن مدة مكث أهل الكهف في كهفهم منذ دخلوه إلى أن استيقظوا. و لكني أفهم غير ذلك و أقول إن قوله و لبثوا إلخ معمول لقوله سيقولون ثلاثمائة إلخ فهو من مقول السائلين و ليس خبرا من اللّه تعالى و لذا أتبع ذلك القول بقوله قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مََا يَعْلَمُهُمْ إِلاََّ قَلِيلٌ . و على ذلك فالقرآن لم ينص على عدد أهل الكهف و لا على المدة التي مكثوها فيه قبل أن يعثر عليهم بل أمر اللّه رسوله أن يقول عن عددهم رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ و أن يرد عليهم حين يقولون وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ... إلخ بقوله اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا و قد ورد هذا القول عن ابن عباس [١] .
و أعتقد أن السر في هذه المسألة واضح بيّن فالقوم يسألون النبي عن العدد و عن المدة و قد جعلوا آراء اليهود مقياسا يقيسون به صدق النبي عليه السلام و لو نزل القرآن بغير هذه الآراء و بخلاف هذا المقياس لكذبوا النبي و لما آمنوا به أو بالقرآن.
إن إخبار القرآن بهذه الآراء هو الدليل على أن الوحي ينزل على النبي عليه السلام من السماء و من هنا كانت أمثال العبارات السابقة: رَجْماً بِالْغَيْبِ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ
[١] مادة أصحاب الكهف، دائرة المعارف الإسلامية التربية العربية.