الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٥٧ - (١) القصة التاريخية
جاءوا من أجله ثم موقف الملائكة و إخبارهم لوطا بأنهم رسل ربه و نصحهم له بالسرى و إخبارهم له بأن العذاب نازل و أن موعدهم الصبح.
و هكذا تجري القصة و قد رتّبت وقائعها على أساس يشعر بأن الزمن هو المحور الذي يربط هذه الوقائع المختارة و تلك الأحداث المنتقاة من حياة لوط عليه السلام. كما تجري المحاورة بينه و بين قومه على أساس من المنطق النظري إذ تدور بينه و بين قومه قبل أن يعرف أن ضيفه هم رسل ربه.
و ستجد القصة في سورة الحجر تجري على نسق آخر إذ تعلمه الملائكة أنهم رسل ربه و تنصح له بالسرى و تنبئه بما سيحل بالقرية و أهلها من عذاب قبل أن يجيئه قومه و يكون بينهم و بينه ذلك الحوار.
إن المحاورة في قصة الحجر تدور بينه و بين قومه بعد أن عرف أن ضيفه هم رسل ربه و أنهم لن يصابوا بسوء. و يشعرنا هذا الصنيع بأن تسلسل هذه الأحداث لا يقوم على الترتيب الزمني و لا على أساس من التسلسل المنطقي الذي كان من الممكن أن يكون، ذلك لأن العقل يجيز أن لوطا و قد عرف أن ضيفه هم رسل ربه و أنهم من الملائكة لا يخشى شيئا و لا يخاف عليهم من قومه و من هنا لا يعرض بناته لأذى أو مكروه. لكن القرآن خالف بين القصتين و جرى على نهجين مختلفين في البناء و التركيب.
فكر في الأمر فستجد أن القصد من القصتين مختلف و سترى أن القرآن قد خالف بينهما في الترتيب ليشعرنا بأن هذه القصة مستقلة و تلك قصة مستقلة و أن ترتيبه للأحداث يختلف لاختلاف المقاصد حتى و لو أدى هذا الاختلاف إلى إهمال أهم مقومات التاريخ و هو الزمان.
إن القصد من قصة لوط في سورة هود هو تثبيت قلب النبي محمد عليه السلام و من أجل ذلك عني القرآن بما ينال لوطا من أذى و من هنا عني القرآن بحالته النفسية و قصد إلى أن يبرز عواطفه و يصوّر أفكاره و هذا هو صنيع القرآن في كل القصص الذي ورد في هذه السورة و هو الذي يتلاءم مع بدئها و الختام. فقد قال تعالى في مفتتح هذه السورة مصوّرا نفسية محمد عليه السلام فَلَعَلَّكَ تََارِكٌ بَعْضَ مََا يُوحىََ إِلَيْكَ وَ ضََائِقٌ بِهِ