الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٥٥ - (١) القصة التاريخية
فدمّرناهم تدميرا فذكر حاشيتي القصة أولها و آخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل و استحقاق التدمير بتكذيبهم» [١] .
فابن الأثير كما ترى يعلّل الذكر و الحذف في القصة بعلل أدبية بيانية و يدلنا على أن القرآن اكتفى في الذكر بحاشيتي القصة لأنها المقصود و أعرض عما عداه الأمر الذي لا يستطيع المؤرخ أن يهمله و لا مجال له في العدول عنه لأن التاريخ لا يكون تاريخا إلا به و ذلك من مثل ذكر صفة موسى و نسبه و وقت الإرسال و القصد من إرساله و لمن أرسل و أين و كيف جعل هارون وزيرا و سببه و ما كان بينهما و بين القوم من جدل و حوار... إلخ.
عدل القرآن عن كل هذا لسبب بسيط هو أنه يقص للموعظة و العبرة و لا يؤرخ للأفراد و الجماعات أو للأمم و الشعوب.
جاء في المنار بصدد حديثه عن قصة الطوفان من سورة هود ما يلي: «و بينّا أن قصة نوح عليه السلام جاءت في عدة سور في كل سورة منها ما ليس في سائرها من ذلك و لهذا لم يذكر فيها من حادثة الطوفان إلا ما فيه العبرة و الموعظة المقصودة بالذات منها فذكرت في بعضها بآية و في بعضها بآيتين فما فوقها من جمع القلة و ما في هذه السورة هو أطولها و أجمعها» [٢] .
و نستطيع الآن أن ننتهي من هذه الفقرة إلى القول بأن المقاصد و الأغراض هي التي تدفع إلى ذكر بعض الأحداث و حذف بعضها الآخر. و إلى القول بأن ما يقال أساسا للذكر و الحذف عند الأقدمين من مفسّرين و أدباء، هو ما نقول به اليوم أساسا لاختيار الأحداث في القصص القرآني و إن هذا الاختيار إنما يقوم على الاعتبارات البلاغية الأدبية التي نردها إلى منطق العاطفة لا إلى منطق النظر العقلي لأن قضايا الأول وجدانية شعرية و هي التي تليق بهذا الميدان.
و من هنا نستطيع أن نقول إن هذا اللون من قصص القرآن قصص أدبي تاريخي
[١] المثل السائر، ص ٢٠٥.
[٢] المنار، جـ ١٢، ص ١٠١.