الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١١٠ - (٢) الانقسام
يَتْلُونَ اَلْكِتََابَ كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللََّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [١] .
و من هذين نرى أمرا ثالثا هو لتكون الثقافة نافعة و مفيدة للدعوات الجديدة يجب أن تكون بينها صلة فيبنى الجديد على القديم. و كلما ازدادت هذه الصلة خلقت جوا عاطفيا يقوّي الآراء و يمكّن لها. و كلما ضعفت هذه الصلات أو تلاشت قابلت النفس الجديد بفتور أو بإعراض و نفور. و الواقع العملي و الآيات القرآنية يؤيّدان هذه الحقيقة النفسية فقد آمن المدنيون أو كانوا أسرع استجابة لأن الدعوة الإسلامية كانت متقاربة أو متشابهة لما يألفون و على العكس من ذلك كان المكيون الذين باعدت الوثنية بينهم و بين ما يراد منهم من توحيد. و الآيات القرآنية تقول بوجود الصلة بين الكتب المنزلة كما تصوّر ذلك الجو العاطفي الذي يظهر حين تتّفق الآراء و تتشابه أو تختلف و تتباين فيكون الاستبشار مثلا من القوم حين يسمعون ما يتفق و أهواءهم و تكون النفرة و الاشمئزاز حين يسمعون ما ينكرون وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذََا ذُكِرَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذََا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [٢] ، وَ إِذََا مََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زََادَتْهُ هََذِهِ إِيمََاناً فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَزََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ*`وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مََاتُوا وَ هُمْ كََافِرُونَ [٣] .
و لعل هذا هو السر الذي من أجله عتب القرآن على أهل الكتاب و عاب منهم موقفهم من محمد مع وجود الصلة و قوة المشابهة قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ شَهِيدٌ عَلىََ مََا تَعْمَلُونَ*`قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهََا عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَدََاءُ وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ [٤] .
كما اعتذر عن موقف المشركين من أنه لم ينزل عليهم كتابا و لم يرسل إليهم رسولا. و أنهم تركوا لأهوائهم فأعمتهم و أضلّتهم فهم كالأنعام أو أضل سبيلا و ليس من
[١] سورة البقرة، الآية ١١٣.
[٢] سورة الزمر، الآية ٤٥.
[٣] سورة التوبة، الآيتان ١٢٤-١٢٥.
[٤] سورة آل عمران، الآيتان ٩٨-٩٩.