الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٣١٧
فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنة، والنظر إلى ما وعدهم ربهم. فذلك قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. وإنما يعني بالنظر إليه النظر إلى ثوابه تبارك وتعالى.
وأما قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}، فهو كما قال: لا تدركه الأبصار، ولا تحيك به الأوهام، وهو يدرك الأبصار، يعني يحيط بها، وهو اللطيف الخبير.
وذلك مدح امتدح به ربنا نفسه تبارك وتعالى وتقدس علواً كبيراً.
وقد سأل موسى (عليه السلام) وجرى على لسانه من حمد الله عز وجل {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}، فكانت مسألة تلك أمراً عظيماً، وسأل أمراً جسيماً، فعوقب، فقال الله تبارك وتعالى: {لَنْ تَرَانِي} في الدنيا حتى تموت فتراني في الآخرة، ولكن إن أردت أن تراني في الدنيا فانظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني.
فأبدى الله جل ثناؤه بعض آياته، وتجلى ربنا تبارك للجبل، فتقطع الجبل فصار رميماً وخر موسى صعقاً ثم أحياه الله وبعثه، فقال: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}. يعني أول مؤمن آمن بك منهم أنه لن يراك.
وأما قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} يعني محمداً، حيث لا يجاوزها خلق من خلق الله.
وقوله في آخر الآية: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} رأى جبرئيل (عليه السلام) في صورته مرتين: هذه المرة، ومرة أخرى. وذلك أن خلق جبرئيل (عليه السلام) عظيم، فهو من الروحانيين