الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١٤٢
والآية الثانية بينت: أن سبب أسفه وحزنه (صلى الله عليه وآله) عليهم, هو عدم إيمانهم بهذا الحديث ـ وهو الإسلام ـ الذي جاءهم به من عند الله تعالى..
فلا مانع من الجمع بين الأمرين في موردين مختلفين غير متناقضين ولا متضادين، بل يناسب كل منهما الحالة الخاصة به.
٢ ـ قد يقال: إن ما ذكر من رقة النبي نوح على قومه لأجل القرابة, وإظهار الشفقة على ابنه لا يمكن قبوله.. لأن الأنبياء لا يشفقون على الكفرة, ولو كانوا من أقربائهم..
ونجيب أيضاً:
بأن الخلجات والانفعالات غير الإرادية ليست مورداً للتكليف, ولا تنافي العصمة, ما لم تتحول إلى نية وعزم، وإرادة وتخطيط، وحركة وعمل. وهذا هو ما تعرض له نوح, ولكنه في مجال النية والإرادة، وفي المجال العملي لم يخرج عن دائرة الطاعة والرضا الإلهي..
ولعل هذا هو الفرق بين نبينا وسائر الأنبياء والمعصومين، فإنه (صلى الله عليه وآله) مصون حتى من مثل هذه الخلجات والانفعالات والمشاعر، فإنها وإن لم تكن إرادية بالنسبة لسائر الأنبياء، ولكنها بالنسبة إليه (صلى الله عليه وآله) كانت إرادية, يتحكم بها كيف يشاء ويهيمن على ذاته, ويوجهها كيفما أراد, ويجعلها كلها تصب في الرضا الإلهي. ليرتفع بها مقامه على مقامات سائر الأنبياء الذين لم يصلوا إلى هذه الدرجة.
وهذا ما أشار إليه (عليه السلام), ولم يكن غرضه الطعن في عصمة