الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٦٣
يحيى وعيسى لما استودعهما عزائمه وبراهين حكمته. وإنما فعل ذلك جل ذكره لعلمه بعاقبة الأمور، وأن وصيه لا يرجع بعده ضالا ولا كافراً.
وبأن عمد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى سورة براءة، فدفعها إلى من علم أن الأمة تؤثره على وصيه، وأمره بقراءتها على أهل مكة، فلما ولَّى من بين أيديهم أتبعه بوصيه، وأمره بارتجاعها منه، والنفوذ إلى مكة ليقرأها على أهلها. وقال: إن الله عز وجل أوحى إلى أن لا يؤدي عني إلا رجل مني، دلالة منه على خيانة من علم أن الأمة يختاره [اختارته] على وصيه.
ثم شفع ذلك بضم الرجل الذي ارتجع سورة براءة منه، ومن يوازره في تقدم المحل عند الأمة إلى عَلَمِ النفاق (عمرو بن العاص) في غزاة ذات السلاسل. وولَّاهما عمرو، وحرس عسكره.
وختم أمرهما: بأن ضمهما عند وفاته إلى مولاه أسامة بن زيد، وأمرهما بطاعته، والتصريف بين أمره ونهيه، وكان آخر ما عهد به في أمر أمته قوله: انفذوا جيش أسامة، يكرر ذلك على أسماعهم، إيجابا للحجة عليهم في إيثار المنافقين على الصادقين.
ولو عددت كل ما كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في إظهار معايب المستولين على تراثه، لطال، وإن السابق منهم إلى تقلد ما ليس له بأهل، قام هاتفا على المنبر، لعجزه عن القيام بأمر الأمة، ومستقيلاً مما تقلده، لقصور معرفته عن تأويل ما كان يسأل عنه، وجهله بما يأتي ويذر.
ثم أقام على ظلمه، ولم يرض باحتقاب عظيم الوزر في ذلك حتى عقد الامر من بعده لغيره، فأتى التالي له بتسفيه رأيه، والقدح والطعن على