الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٣٥
وأما قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}، فإن ربنا تبارك وتعالى علواً كبيراً ليس بالذي ينسى، ولا يغفل، بل هو الحفيظ العليم، وقد يقول العرب: قد نسينا فلان فلا يذكرنا، أي أنه لا يأمر لهم بخير ولا يذكرهم به.
قال (عليه السلام): وأما قوله عز وجل: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}، وقوله عز وجل: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، وقوله عز وجل: {يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}، وقوله عز وجل: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}، وقوله: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ}، وقوله: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، فإن ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة.
والمراد: يكفر أهل المعاصي بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً. والكفر في هذه الآية البراءة، يقول: يتبرأ بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم (عليه السلام) قول الشيطان: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} وقول إبراهيم خليل الرحمن: {كَفَرْنَا بِكُمْ} يعني: تبرأنا منكم.
ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه، فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لزالت [لأذهلت] جميع الخلق عن معايشهم وانصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله، ولا يزالون يبكون حتى يستنفدوا الدموع ويفضوا إلى الدماء.
ثم يجتمعون في موطن آخر، فيستنطقون فيه، فيقولون: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا