الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٦٥
بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيه (صلى الله عليه وآله) على يديه على الدين كله ولو كره المشركون.
وأما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي (صلى الله عليه وآله) والازراء به، والتأنيب له، مع ما أظهره الله تبارك وتعالى في كتابه من تفضيله إياه على سائر الأنبياء، فإن الله عز وجل جعل لكل نبي عدوا من المشركين، كما قال في كتابه، وبحسب جلالة منزلة نبينا (صلى الله عليه وآله) عند ربه كذلك عظم محنته لعدوه، الذي عاد منه إليه في حال شقاقه ونفاقه، كل أذى ومشقة لدفع نبوته وتكذيبه إياه، وسعيه في مكارهه، وقصده لنقض كل ما أبرمه، واجتهاده ومن مالأه على كفره وفساده، ونفاقه وإلحاده في إبطال دعواه، وتغيير ملته، ومخالفة سنته.
ولم ير شيئاً أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم من موالاة وصيه، وإيحاشهم منه، وصدهم عنه وإغرائهم بعداوته، والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر ذوي الكفر منه، وممن وافقه على ظلمه، وبغيه وشركه.
ولقد علم الله ذلك منهم، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}، وقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ}، ولقد أحضروا الكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام، فلما وقفوا على ما بينه الله من أسماء أهل الحق والباطل، وأن ذلك إن ظهر نقض ما عقدوه، قالوا: لا حاجة لنا فيه، ونحن مستغنون عنه بما عندنا، ولذلك قال: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ