الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٣٠٠
وما تفعله يا محمد أمر حسن كان لا بد منه في السابق.. ولكن الأمر الآن قد اختلف, فإن الله تعالى قد تكفل بإبطال كيد هؤلاء الناس, فيجب أن يتمحض عملك بعد الآن في خشية أخرى هي أهم وأولى. وهي خشية الله سبحانه وتعالى, ومراقبته فيما يطلبه منك, لتأتي به على أفضل وجه وأتمه, فإنك لم تعد مكلفاً بمراعاة الحذر في هذا الجانب.
فلماذا تتعب نفسك في أمر تحمله الله تعالى عنك؟! ولماذا تحمِّل نفسك أثقالاً وهموماً عظيمة, مع أنه يكفيك الاهتمام بمراعاة جانب واحد, وتخفف عن نفسك فيما عداه, مما تكفل الله سبحانه به، وسيدفع عنك شرهم وكيدهم فيه..
وليس في الآية: أن النبي (صلى الله عليه وآله) حين خشي الناس لم يخش الله تعالى, وليس فيها: أنه (صلى الله عليه وآله) مخطئ في خشيته للناس, بل فيها ترجيح لخشية الله تعالى، وأنها هي الأهم والأولى.
فهو أسلوب من أساليب الإخبار بكفاية الله له أحد الأمرين اللذين كانا مفروضين عليه معاً. وبعد أن حصلت الكفاية من أحدهما, فعليه أن يصرف كل جهده في إنجاز الأمر الآخر, الذي هو على درجة عظيمة من الأهمية, بحيث يكاد يجب ترك كل شيء من أجله..
وهذا من قبيل من يشرب دواءً لشفاء بعض الأمراض، ثم يطمأنه الله تعالى إلى أنه قد تكفل بدفعها عنه، فعليه أن يهتم بمعالجة الأمور الأخرى التي تحتاج إلى جهد من نوع آخر.
أو هو من قبيل قولك: الطبيب الفلاني يعالج مرضى القلب ومرضى