الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٣٦
كُنَّا مُشْرِكِينَ} وهؤلاء خاصة هم المقرون في دار الدنيا بالتوحيد، فلم ينفعهم إيمانهم بالله مع مخالفتهم رسله، وشكهم فيما أتوا به عن ربهم، ونقضهم عهودهم في أوصيائهم، واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، فكذبهم الله بما انتحلوه من الايمان بقوله: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ}، فيختم الله على أفواههم، وتستنطق الأيدي والأرجل والجلود، فيشهد بكل معصية كانت منهم، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم، فيقولون لجلودهم: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}.
ثم يجتمعون في موطن آخر، فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة الأمر، وعظم البلاء، فذلك قول الله عز وجل: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ]} الآية.
ثم يجتمعون في موطن آخر، ويستنطق فيه أولياء الله وأصفياؤه، فلا يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فتقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم، فأخبروا أنهم قد أدوا ذلك إلى أممهم، ويسأل الأمم فتجحد كما قال الله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} فيقولون: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ}.
فتستشهد الرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيشهد بصدق الرسل وتكذيب من يجحدها من الأمم، فيقول لكل أمة منهم، بلى {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، أي مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم.
وكذلك قال الله تعالى لنبيه: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا