الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٢٠
التحدي العلوي:
وقد لاحظنا: أن علياً (عليه السلام) لم يحاول أن يقنع ذلك اليوناني بالأدلة والبراهين العقلية، والبحث العلمي والموضوعي، بل بادر إلى اعتماد أسلوب التحدي، والدفع بالأمور إلى أقصى مدى، حيث اختار تناول دواء قاتل وسريع التأثير، يفتك بالجسم، ويقضي عليه في ساعته ولا يعطي الفرصة لاستعمال معالجات تدفع سورته وتزيل أثره.
وقد اختار (عليه السلام) إظهار المعجزة والكرامة لذلك اليوناني في نفس الوقت والساعة.. وقد جاءت النتيجة فوراً، وكانت مناقضة لتوقعات ذلك اليوناني، فبدلاً من حلول الكارثة تحققت المعجزة، وهي الانتعاش الظاهر، والقوة، والصحة والسلامة، والعافية بأجلى صورها، وأحسن حالاتها، وأظهر تجلياتها..
ولعله (عليه السلام) رأى أن ذلك الطبيب لم يكن من أهل المعرفة بغير الفن الذي مارسه وعرف به، وهو الطب.
بل قد يكون أقل تنبهاً من غيره حتى بالنسبة للأمور العادية، كما تدل عليه غفلته عن أن المجنون لا يمكن أن يقيم دولة، ولا يبقى الدين الذي جاء به من بعده كما شرحناه آنفاً، ولا يمكن أن يكون دين المجانين منسجماً، وصحيحاً ومرضياً ومقبولاً، لأنه سيكون على تشريعاته وأحكامه وتعاليمه مسحة من الجنون أيضاً..