الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١٥٠
فإن العقل يحكم بلزوم التخلي عنه لمصلحة ما هو أهم منه.
ثانياً: قد تكون المصلحة هنا هي نفس هذا الإعلان عن هذه القاعدة، لأن إعلانها يسهم في بث اليأس في نفوس الأعداء، من أن يتمكنوا من إلحاق الهزيمة الروحية بالمسلمين. فأن من يرضى بأن يترك هذه الجثث الطواهر والزواكي لتحشر من بطون السباع وحواصل الطير، لن يستسلم، ولن يستكين دون تحقيق هدفه الأقصى. مما يعني: أن هذه الحروب ستكون عبثية وبلا معنى، ولن يكون حصادها إلا خسائر مادية وضحايا تنال الأصدقاء والأولياء تارة، وينال الأعداء منها مثل ذلك، أو ما يزيد عليه أو يقل عنه تارة أخرى.
ونلاحظ أيضاً ما يلي:
١ ـ إن جعل حزن صفية مانعاً من اتخاذ هذا الإجراء القاسي، يدلل على مدى رهافة الحس النبوي، وعلى أنه يحمل في داخل نفسه أعلى درجات العطف والرحمة للضعفاء، وأن هذا الإجراء يعبر عن مسؤولية والتزام تجاه الواجب الإلهي من جهة، وعن أن ثمة نفساً تفيض عطفاً وحناناً ورقة، تجاه الأهل والأحبة من جهة أخرى.
٢ ـ إن المانع الآخر الذي ذكره (صلى الله عليه وآله) هو: أنه لا يريد لهذا الإجراء أن يفهم على غير وجهه، بأن يصبح سنة يعمل بها في الشهداء الذين ترتفع أرواحهم في ساحات الجهاد، فإن هذا الإجراء، وإن كان صحيحاً في نفسه، ولكن صيرورة ذلك سنة يعد تضييعاً لحقهم، وتفريطاً بكرامتهم وعزتهم. وهذا ما لا يرضى رسول الله (صلى الله عليه وآله)